قصة قصيرة- إنهم ينتظرون موتك!

تموز 28th, 2006 كتبها علاء الدين كوكش نشر في , نصوص قصصية

بقلم: علاء الدين كوكش

في البدء كان الإعلان:

نشر إعلان موتي في جريدة الصباح كان والدي المتوفى منذ عشر سنوات ينعي ابنه الغالي، الذي هو أنا، عن عمر يناهز الخمسين عاماً، ويحدد يوم غد موعداً لانتقالي إلى جواره.

تنهدت بارتياح بعد أن قرأت الإعلان.

* * *

اليوم الأول:

- زوجتي رفعت رأسها عن الجريدة وقد ظهر الضيق على وجهها:

- ولماذا غداً؟ قالت.

- وما المشكلة؟ قلت.

- لدينا سهرة، أنسيت؟

- آه تذكرت.

- سنضطر إلى تأجيل السهرة.

- للأسف.

* * *

ابني دخل إلى المطبخ صائحاً كعادته:

- الإفطار جاهز؟

- جاهز اجلس، زوجتي أجابت.

- ابني جلس، زوجتي جلبت له الشاي وصبت لي أيضاً.

- سوف يموت غداً. زوجتي تحدثت.

- من؟ ابني سأل.

- أبوك.

- نظر إليّ مستفسراً، هززتُ رأسي له مؤكداً. ابني ضحك وعلق:

- هكذا أنت يا أبي لا تتغير، دائماً مستعجل.

- هم الذين حددوا التاريخ لا أنا.

- هل أنت متضايق؟

- لا.. ولكن يجب أن تساعدني في ترتيب بعض الأمور كي أكون جاهزاً في الموعد المحدد.

- متى موعد الجنازة؟

- بعد صلاة الظهر، غداً.

- الحمد لله لن يفوتني موعد الغداء مع خطيبتي.

- زوجتي علّقت بضيق:

- هذا يعني أنني سوف أتغدّى لوحدي غداً.

- أمي لا أستطيع تفويت هذه الفرصة، فالدعوة منها، والتفت إليّ.

- بماذا يمكن أن أساعدك يا أبي؟

- هناك أولاً الوظيفة يجب أن أقوم بالتسليم وإنهاء عملي، ثم هناك مكتب دفن الموتى، وأخيراً طبع أوراق النعوة وتوزيعها..

- أنا سأقوم بتوزيع هذه الأخيرة، ابني أجاب وتابع: أعطني خمسة آلاف.

زوجتي صفرت ثم علقت:

- كثير.

- يا أمي الورق غال، والطباعة مكلفة. ابني رد على زوجتي.

- هذا صحيح وافقت أنا على كلامه وتابعت: أعطه المبلغ وأعطني ما تبقى معك كي نسدد تكاليف الدفن للمكتب.

- على هذه الحالة سيذهب كل ما وفّرناه، زوجتي علقت ساخرة.

- وماذا سنفعل؟ أجبت: الموت أصبح مكلفاً هذه الأيام.

تابعنا إفطارنا.

* * *

في الوظيفة:

ما إن رآني زميلي في الدائرة حتى نهض من خلف مكتبه واتجه نحوي معانقاً.

- ألف مبروك.

- الله يبارك فيك.

- قرأت الخبر في الجريدة ولكن يا خبيث كيف دبرت الأمر بهذه السرعة، الناس ينتظرون أشهراً وأعواماً ولا يأتيهم الدور، واسطتك قوية على ما يظهر.

- انتفشت ثم همهمت وغمغمت مبتسماً له ومضيعاً الجواب، ثم قلت:

- والآن يجب أن أقوم بالتسليم و.. ولم يدعني أكمل كلامي:

- أعرف أن وقتك ضيق، وقد قمت بإنجاز معاملتك وهي جاهزة الآن وما عليك إلا أن تُوقِّع.

- عظيم أنا شاكر لك.

- وقد وافق رئيس الدائرة على أن أستلم مكانك.

- مبروك.

- الله يبارك فيك، أجابني وهو يعطيني الأوراق كي أوقعها.

وقعت وانصرفت.

* * *

مساء:

وأنا عائد إلى البيت بعد أن أنجزت كل المعاملات المتعلقة بموتي. توقفت أمام الأوراق الملصقة على الحائط وقرأت:

المزيد


قصة قصيرة- روميو وجولييت زماننا

تموز 21st, 2006 كتبها علاء الدين كوكش نشر في , نصوص قصصية

 بقلم: علاء الدين كوكش

مقدمة تاريخية

حدث ما سنقرأه في دمشق، أواخر التسعينيات، أواخر القرن العشرين وقبل أن يبدأ القرن الواحد والعشرون.

***

جهّز مسدسه وهيأه للإطلاق، وخبأه تحت وسادة سريره. كان قد اتخذ قراره البارحة بعد تفكير طويل وبعد مضي أسبوع على آخر لقاء لهما.

جرى ذاك اللقاء في حديقة تشرين، ورفضت أن يكون في شقته الصغيرة التي شهدت أيام أوجاعهما الحزينة والسعيدة، وعلى مدى سنوات طويلة.. قالت له إنها ستتركه، إذ لا مستقبل لحبهما.. وقالت وقالت وقالت… كان يسمع ما تقوله وينظر إلى السماء، كان لونها مثل لون قرص الفلافل الذي طالما أكلا سندويشاته بمتعة. أنهت حديثها وأعطته مفتاح شقته وذهبت، عجز عن أن يوقفها أو حتى يناديها…

مضت سبعة ايام على ذاك اللقاء، لم يتصل بها ولم تتصل به، حتى صباح هذا اليوم… رفع سماعة الهاتف وطلبها، أتاه صوتها عبر الهاتف… أراد أن يقول لها صباح الخير ولكن صوته لم يخرج. أجابته بعد صمت قصير: صباح الخير.

قال لها: أنا قاسم.

قالت له: أعرف.

وصمت الاثنان لسنوات… تحدث قاسم أخيراً:

- هل يمكن أن أراكِ؟

- كي نناقش موضوعنا؟

- لا…

- إذن؟

- كي أودعك.

صمتت ليلى وقد غصت.

- ليلى أرجوكِ… اللقاء الأخير.

- عندك في البيت؟

- أرجوكِ.

- على شرط.

- …..

- أو، لن آتي.

- قولي.

- أن لا نتناقش في هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد.

- لا لن نتناقش.

- تعدني؟

- أعدك.

- ماذا تريد أن أجلب للغداء؟

- فلافل.

- لا… هذه المرة سنحتفل… فروج مشوي ما رأيك؟

- كما تريدين.

- هل أنت جائع؟ وقالتها بدلالها الأنثوي المحبب إليه.

- أجابها: إنه جوع تاريخي مزمن.

- ضحكت وقالت: إذن انتظرني فإني آتية إليك مثل الموت…

رنت ضحكتها: في أذنه، ووضع السماعة على صدره، واغمض عينيه بسعادة… لا زالت هي ليلى التي يحبها…

أعاد السماعة إلى مكانها، وقف أمام السرير وبدأ يعيد في ذهنه رؤية ما سيجري كما خطط له، توقف ذهنه عند لحظة إطلاق المسدس، عبثاً حاول أن يتخيل ما سيجري بعدها، تجمدت مخيلته عند فوهة المسدس التي كان يراها كبئر مظلم يهوي فيه ويتابع السقوط دون أن يصل إلى القعر…

انتشله من ظلامه رنين الجرس، فتح الباب، دخلت ليلى مسرعة وأغلقت الباب بقدمها قائلة: لقد رآني جارك الوغد المتلصص وأنا داخلة…

أخذ منها ما تحمله بيديها، تشمّم بمتعة رائحة الفروج التي ملأت البيت، ابتسمت ليلى وقالت له: بدأت أغار من الفروج.

فقال لها: انتظري، دورك قادم.

لحقت به إلى المطبخ وهي تسأله بدلال: بمن سوف تبدأ؟ التفت لها، كانت تفيض إغواء، تابعت: بي أم بالفروج؟ قال لها وقد بدأ صدره يخفق: هذه اللحظات ملكك، ولك أنت أن تقرري. هزت رأسها بنعومة وقالت له: اتبعني إذن…

التفتت وغادرت المطبخ ببطء… كان يتابعها ويختزن ما يراه، لقد كان هناك عشرات من الصور الجميلة والجديدة التي بثتها ليلى منذ أن دخلت… أهي جديدة فعلاً؟ أم أنه هو الذي يراها الآن كذلك. أسند رأسه إلى خزانة المطبخ وأغمض عينيه وبسرعة بدا يهوي في البئر… فتح عينيه موقفاً سقوطه. بدأ يشك في قدرته على متابعة تنفيذ قراره.

عاد مرة أخرى للسقوط وأخذ يهوي، انت

المزيد


قصة قصيرة- وأخيراً غلبه البكاء!!

تموز 14th, 2006 كتبها علاء الدين كوكش نشر في , نصوص قصصية

  بقلم: علاء الدين كوكش

- أفلام فيديو.. سيكس للبيع..

سيكس سيكس سيكس..

كان عادل ذو الخمس عشرة شتاء ينادي بصوت منخفض يحاول إيصاله فقط للزبائن الذين يمرون به ثم يغوصون داخل هذه اللجة البشرية التي تتعاطى بيع وشراء المسروقات المختلفة.

- سيكس للبيع.. سيكس سيكس..

ما بقي غير ها الشريطين.. لحق حالك.

كان هذه المرة صادقاً بندائه، إذ لم يبق معه غير شريطين بالإضافة إلى الشريطين اللذين أعطاهما لسعيد. كان «المعلم» محقاً حين قال له: اليوم يا عادل بدي أعطيك شغلة تنتفع منها وتنباع معك بسرعة. وأعطاه عشرة أشرطة، باع منها ستة خلال ساعتين من بدء افتتاح السوق.

كان الزبائن يقرأون العناوين الملصقة على الأشرطة وينتقون منها ما يتفق وأمزجتهم وكان عادل يراقب وجوههم وهم يقلبون الأشرطة، وتظهر على الرغم منهم بعض الانفعالات التي يحاولون إخفاءها.. كان عادل يفهم هذه الانفعالات، وقد أحس بها هو وصديقه سعيد وتحدثا عنها قبل أن يذهبا للسوق.

قال له سعيد وهو يكبره بشتائين:

- ولك عادل شفت شي مرا  بزلط ربها؟

- لأ. إنت شفت؟

- إي، بس بالمجلات، نسوان كتير وكل واحدة جسمها أحلى من التانية.

- بتعرف ولك سعيد متمني شوف شي شريط من هالأشرطة.

- أديش بتدفع إذا خليتك تشوف شي واحد منهن؟

- إيمتى؟

- اليوم المسا.

- قد ما بدك.

- بتدفع حق البيرة؟

- بدفع.

- طيب تعا لننقي شي شريط من هالأشرطة نقيمو.

- ليش ما نقيم شريطين مرة واحدة.

- شايفك ملهلب.

- صارت وصارت.

- ما شي كلامك.

 وسرحا بين العناوين المختلفة للأشرطة، كل عنوان كان يوحي لهما بغابة من السيقان البيضاء تتراقص أماهما بنشوة..

  وبعد حيرة وتردد توقفا عند عنوانين قررا الاحتفاظ بشريطيهما: «الشرطية الحسناء» و«سيدات الخطيئة»، أحسا باختيارهما هذا بأنهما يجمعان الجنس من أطرافه المتناقضة: الشرطة والخطيئة، وقد ضحكا من ذلك بعد تعليقات خاصة..

  أخذ سعيد الشريطين وغاب بهما، وحين رآه عادل في السوق قادماً أشار له بيده مستفهماً، فأجابه عادل وهو يرفع إبهامه للأعلى بانتصار: مشي الحال.. اليوم الساعة تسعة.. أحس عادل بالنشوة تغمره.. فهو على موعد الليلة مع تجربة جديدة.. رؤيا جديدة ينام بعدها لأول مرة على أحلام مرئية لا متخيلة.. اعترته رجفة خفيفة لذيذة، تمنى لو أن الوقت يمر بسرعة.

- سيكس للبيع.. سيكس سيكس.

سمع صوت سعيد وهو ينادي على الراديو الذي يحمله بيده، فاقترب منه عادل وأخذ ينقر بأصابعه على الشريطين اللذين بيده وهو ينادي مداعباً سعيد:

- سيكس سيكس سيكس.. سيكس للبيع.

أجابه سعيد ممازحاً:

- بيعنا شي مرا حلوة من النسوان يللي معك.

- والله النسوان خلصوا بقي رجال إذا بدك.

- خليهم إلك.

  وضحك عادل من أعماقه.. ضحك بسعادة ولكنه أحس فجأة بقشعريرة تغزو جسمه، ويد تقبض على عنقه، اختفى سعيد من أمامه مرعوباً، وسكنت الأصوات من حوله تماماً أدرك بعدها أنه واقع في يد الشرطة..

* * *

تأمله ملياً رئيس الدورية التي داهمت المكان، وقد كان جالساً خلف مقود سيارته، ثم سأل الشرطي الواقف خلف عادل بلباسه المدني: فتشتوه؟

وأجاب الشرطي: إي نعم سيدي. ما لقينا معه غير شريطين هالفيديو وحوالي ألف ليرة.

مد رئيس الدورية يده من خلال نافذة السيارة وأخذ الشريطين من يد الشرطي، نظر إلى عناوينهما فاختلجت شفتاه.. عاد للنظر إلى عادل الذي كان يراقبه، وحين رأى نظرة رئيس الدورية الخاصة، خالجه إحساس غريب فأطرق برأسه متنبهاً، سأله رئيس الدورية:

- أديش عمرك ولا؟

أجابه عادل دون أن ينظر إليه، تمنطعش (18). وحين أتاه صوت رئيس الدورية: كذاب، أجاب بسرعة: سبطعش (17)

- كذاب.

 رفع عادل رأسه ناظراً بدهشة إلى رئيس الدورية الذي كان يحدق فيه، انفرجت شفتا رئيس الدورية قليلاً عن لسانه الذي تسلل خارج فمه مبللاً شفتيه وراسماً عليهما ابتسامة خفيفة أحس بها عادل تلتصق على جسده..

        تملكته الحيرة إزاء هذا المسؤول الجديد الذي يراه لأول مرة منذ أن بدأ يتعاطى مهنة بيع المسروقات والمهربات، وكان ذلك منذ أربع سنوات.

أجاب مستسلماً وهو يطرق برأسه:

- خمسطعش (15)

- مو بكير عليك تتعاطى هيك شغلات؟

رفع عادل رأسه حين سمع سؤال رئيس الدورية ونظر له باستنكار خفيف ثم أشاح برأسه دون جواب، التفت بعدها رئيس الدورية للشرطي آمراً:

- طلّعه جنبي وعطيني فلوسه لشوف، واسبقوني مع البقية عالمخفر، أنا لاحقكم.

 نفذ الشرطي الأوامر وانصرف مبتعداً، بينما انطلقت سيارة رئيس الدورية غائبة في الشارع الطويل.

  كانت الشوارع تمر بعادل دون أن يراها، فقد كان شارداً يفكر فيما ينتظره في المخفر من شتائم وإهانات، ولا يعرف بعدها كيف ستنتهي الأمور ه

المزيد


قصة قصيرة- المبتسم دائماً

تموز 7th, 2006 كتبها علاء الدين كوكش نشر في , نصوص قصصية

 بقلم: علاء الدين كوكش

السيد المدير العام للسجن:

أرفع إليكم يا سيدي تقريراً مفصلاً عن حياتي كما طلبتم:

إسمي: أسعد النجار. ولكنهم لا يعرفونني إلا بإسم أسعد المبتسم. وقد أطلق علي هذا اللقب جيراني ورفاقي الذين يحبونني…

ولدت في دمشق عام 1948 م  وقد أصبح عمري الآن 56 سنة

وعندما ولدت لم يكن أبي موجوداً فقد ذهب إلى حرب فلسطين وكان شاباً

واختفت آثاره هناك ولم يعد… وعشنا على أمل أن يرجع في يوم ما ولكنه حتى الآن لم يرجع…. وصار رفاقي بالمدرسة يمازحونني بعد ذلك ويسمونني طفل النكبة وأحيانا ً كانوا ينادونني أسعد النكبة..  وعندما كنت أذهب إلى جدي شاكيا ً كان يقول لي: ولماذا البكاء… ابتسم… إذا كان  في ندائهم هذا سعادة لهم فيجب أن تكون مسروراً… وهل هناك أجمل من أن يكون الإنسان مصدراً لسعادة  الآخرين؟! أما بالنسبة للنكبة فهي ليست الأولى ولا الأخيرة… لقد مرت على أمتنا الكثير من النكبات وهذه واحدة منها… صحيح أن أبوك ذهب فيها ولكنك أتيت أنت. الحياة تسير رغم كل شيء.. وغدا ً ستكبر و تتزوج وتنجب أطفالا ً.. سيكونون مصدر سعادة لك

وستبتسم لهم… وهكذا تستمر الحياة سواء كنت عابسا أو مبتسما ً

نسيت أن أقول إن جدي والد أبي هو الذي رباني أنا وأخوتي الأربعة , فقد تركتنا أمي ورحلت بعد مجيئي  بسنوات… إلى أين لا أعرف… يقال إنها التحقت بأبي… ولا زلت أحلم حتى اليوم بلقياها.

توفي أخي الأكبر بعد رحيل أمي بسنتين… وعندما بكيت قال لي جدي: لماذا البكاء…. الله أعطى والله أخذ…. و يظهر أن الله  قد قرر أن  يأخذ معظم ما أعطاه فأخذ إخوتي الآخرين… قال لي جدي لا تحزن فهناك حكمة خلف كل شيء… قلت له ولكنهم ماتوا… قال: وبقيت أنت, وابتسم لي.

كان دائما ً يرى الكأس من نصفه الممتلئ و يرى أن للأمور دائما ً وجهان وفي قلب  الشر يوجد الخير ولكن يجب أن تبحث عنه وتراه…. وكان يردد على مسامعي  تفاء لوا بالخير تجدوه… وقد أثر ذلك علي و كنت أحب جدي و ابتسامته  الدائمة التي انتقلت إلى وجهي حتى أنهم صاروا ينادونني بالمدرسة الثانوية بالمبتسم… وأنا نفسي تأثرت بهذه التسمية وعندما سألني مرة أحد الأساتذة ماهو اسمك قلت له: أسعد. قال: أسعد ماذا؟  قلت له: أ

المزيد


قصة قصيرة- كرمى لعيني مادونا

حزيران 30th, 2006 كتبها علاء الدين كوكش نشر في , نصوص قصصية

  بقلم: علاء الدين كوكش

كان سيف، ابن جاري وصديقي في الجامعة، عاشقاً لمادونا وإذا دخلت إلى غرفته فلن ترى فيها شيئاً غير مادونا.. فصورها تملأ الحيطان وأبواب الخزانة وظهر الباب.. حتى السقف ألصق عليه صورة كبيرة لمادونا، وهي شبه عارية، لا أعرف من أين حصل عليها.. وكان يمتلك أرشيفاً كبيراً لها من الصور والمقابلات والتصريحات، وقد خزّنها في ذاكرته حتى أنك لو سألته في أي لحظة عن بعض التفاصيل في حياتها لأجابك دون تلكؤ!!
كان إذا سمع عن صدور ألبوم جديد لها، لا ينتظر نزوله إلى السوق بل يسافر إلى بيروت لشرائه، وكان وضعه الاقتصادي يساعده على ذلك.
بعد تخرجنا من الجامعة، فرع الأدب الإنكليزي، عمل هو في شركة سياحية، وسافرت أنا إلى الخليج للعمل هناك وصرت ألتقيه في إجازاتي فقط.. وفي إجازتي الأولى في الصيف زرته في بيته ، أحمل له هدية كنت أعرف أنه سيسر لها، وقد كان شريط فيديو جديد لمادونا وصل إلى الخليج قبل أيام من إجازتي.
عندما نظر إلى الشريط واكتشف أنه جديد، هجم علي وعانقني وقبلني ثم تركني مسرعاً إلى جهاز الفيديو لمشاهدته.. تأملته وهو جالس يشاهد، بعشق ووله، مادونا وجسدها الذي يطفح جنساً ، ثم تأملت الغرفة.. لقد أصبحت الآن مثل المكعب الحجري، على كل مربع منها صورة لمادونا.. وبين المربعات تظهر بعض الخطوط التي تدلك على أثاث الغرفة أو نوافذها وبابها..
بعدما أنهى مشاهدة الشريط، التفت إلي وقال: كنت أنوي السفر إلى بيروت حين وصول الشريط، ولكنهم في الخليج الآن، أصبحوا يسبقون بيروت أحياناً باتصالهم بالعالم الخارجي.. قلت له وأنا أشير إلى الصور: ماذا ستفعل بها حين تتزوج وتأتي زوجتك إلى هذا المكان؟
رد علي قائلاً: ومن قال لك إني سأتزوج؟!
قلت له: هذه سنة الحياة.. ولا تستطيع بالطبع أن تتزوج مادونا!!
أجابني: ومن قال إني لا أستطيع؟ إني أتزوج مادونا كل يوم.. أتزوجها في أحلام يقظتي، وقبل نومي، وأحياناً في نومي!!
قلت له بإشفاق: إلى متى ستبقى على هذه الحال؟!
نظر إلي مطولاً، بصمت، ثم وقف وتمشى.. وكان خلالها يقف وينظر إلي هاماً بالكلام لكنه يحجم.. أدركت أن هناك شيئاً ما ينوي إطلاعي عليه ولكنه يتردد.. قلت له بصوت ودود: ما القصة؟ قل لي..
تغلب على تردده واقترب مني وقال: أنت صديقي الوحيد الذي يعرفني جيداً لذلك سأخبرك.. كنت أنوي كتمان هذا الأمر عن الجميع بما فيهم أنت.
جلس بقربي وبدأ يحدثني بصوت خافت، قال: أنت تعرف أنني أراسل مادونا منذ أيام الجامعة.. قلت له: أعرف ذلك.
قال: منذ أشهر، وبعد مشاهدتي لها في فيلم تقوم فيه بدور امرأة آسرة ومسيطرة، طفح بي عشقها، فكتبت لها في رسالتي، إنني مستعد أن أقدم لك عمري كله لقاء قضاء ليلة واحدة معك.
ابتسمت له، فقد راودت، هذه الأفكار، خيال معظمنا – شباباً وبناتاً – أحياناً تجاه بعض النجوم، وكنا نرددها بين بعضنا مازحين.

لاحظ سيف ابتسامتي فقال: نعم، كتبتها لأعبر عن شدة إعجابي بها.. ولكني فوجئت برسالة وصلتني منها تقول: هل أنت جاد؟!
أعترف هنا أن ابتسامتي قد اختفت وظهر الاستغراب على وجهي.. ورد صديقي على ذلك: نعم، أنا مثلك، لم أصدق في البداية.. استغربت أولاً الرد، وثانياً السؤال.. ولكن الرسالة كانت حقيقية وصادرة من مكتب مادونا، وبتوقيعها الذي أعرفه جيداً..
عدلت من جلستي وسألته: أنت متأكد من ذلك؟ فرد علي: ولكنني لم أنه القصة بعد.. قلت: أهناك شيء آخر؟ قال: نعم، وأكمل: مضى علي عشرة أيام، بعد وصول رسالتها، وأنا أفكر بالأمر مقلباً إياه بين التصديق والتكذيب، حين وصلتني رسالة ثانية منها تقول: لم تجبني حتى الآن، هل أنت جاد؟
لاحظ سيف ما بدا على وجهي من الدهشة، فقال: أنا كنت مذهولاً أكثر منك.. ولكي أتخلص من الدوامة التي بدأت أعيشها، أرسلت لها جواباً: نعم إني جاد.. وفوجئت بالرد يصلني بسرعة: أرسل لي صورة عن جواز سفرك.. فأرسلت لها صورة عن جواز سفري، وأنا غير مصدق ما يجري معي، وكنت أفكر أن هناك من يمزح معي، وسأجاريه حتى أكشفه!!
بعد أيام وصلتني رسالة بالبريد السريع، وفيها فيزا للزيارة، وتذكرة سفر باسمي على الخطوط الجوية الهولندية، وكلمات مقتضبة تقول: بعد أن تثبت موعد سفرك أرسل لنا برقية حتى نرسل أحداً لاستقبالك في مطار نيويورك!!
صمت ناظراً إلي ليرى تأثير ما قاله على وجهي.. تمالكت نفسي وقلت له: الآن أنت تمزح.. نظر إلي بصمت، ثم هم بالكلام لكنه توقف ونهض نحو الخزانة، وأخرج منها شيئاً عاد وقدمه لي.. كان جواز سفره ووسطه تذكرة سفر، فتحت الجواز لأجد تأشيرة دخول إلى أمريكا وبطاقة سفر باسم سيف من الخطوط الجوية الهولندية.. فوجئت فعلاً، وأخذت أعيد النظر فيهما.. كان كل شيء حقيقي، ورفعت رأسي نحوه غير مصدق!!
قال لي: ما رأيك الآن؟
قلت له: لقد وضعتني في دوامة كبيرة..
قال لي: دخلت هذه الدوامة قبلك، وقلبت الأمر على وجوهه المختلفة، ولكني لم أصل إلى جواب.. وأخيراً حزمت أمري وقررت السفر.
قلت له: ماذا تعتقد أن مادونا تريد منك؟
أجابني : سأعطيك الجواب الذي أقنعني أكثر من غيره.. أنت تعرف أن مادونا مشهورة بنزواتها وتصرفاتها المتهورة، وقد يكون هذا أحد نزواتها.. على كل يكفيني مشاهدتها والحديث معها.. ونهض منهياً النقاش، وقال: سأحضر لك

المزيد


قصة قصيرة- المُخبـــر

حزيران 23rd, 2006 كتبها علاء الدين كوكش نشر في , نصوص قصصية

  بقلم: علاء الدين كوكش

تقرير رقم-1-

من المخبر عبد اللطيف أحمد إلى رئيس قسم المخبرين:

في تمام الساعة السادسة مساءً من يوم الاثنين 29 نيسان كنت جالساً في مقهى الحجاز وكان إلى جواري طاولة عليها شخصان يتهامسان، أصغيت إليهما فوجدت أنهما يتحدثان عن الحكومة وكان واحد منهما يشتم الحكومة … ثم غادرا المقهى ولم أعرف أسماءهما بعد.  التاريخ 30 نيسان                                                 

 المخبرعبد اللطيف أحمد

رفع رئيس القسم رأسه عن التقرير و نظر إلى المخبر عبد اللطيف أحمد الواقف أمامه وسأله:

 

-    هل أنت جديد في هذا القسم؟

-    نعم يا سيدي.

-    وأين كنت تعمل قبل ذلك؟

-    في وزارة العدل.

-    وما هي المهمة التي كلفت بها؟

-    أن أجلس في المقهى يومياً وأستمع إلى ما يدور هناك وأقدم تقريراً به.

-    هذا أول تقرير لك؟

-    نعم يا سيدي.

نظر رئيس القسم إليه بإشفاق وقال وهو يمزق التقرير:

-    في المرة الثانية يا بني يجب أن يكون تقريرك مفصلاً أكثر و فيه أسماء الناس و أقوالهم كما وردت بالحرف… هل فهمت؟

-    نعم يا سيدي.

-    يمكنك الانصراف.

حيا عبد اللطيف رئيس القسم و غادر مكتبه.

 تقرير رقم-2-

من المخبر عبد اللطيف أحمد (الموظف سابقاً في وزارة العدل) إلى رئيس قسم المخبرين:

في تمام الساعة السادسة من مساء يوم الجمعة 3أيار و كنت جالساً في المقهى المكلف بمراقبته حين أتى رجل في الأربعين من عمره وكان هو نفس الرجل الذي شتم الحكومة في المرة السابقة وجلس إلى طاولتي وقال لي: مرحباً يا أخ

قلت له: أهلاً و سهلاً

قال لي: أنا أعرف أنك عميل عند الحكومة… و أنا لا أحب الحكومة…

المزيد