بقلم: علاء الدين كوكش

في البدء كان الإعلان:
نشر إعلان موتي في جريدة الصباح كان والدي المتوفى منذ عشر سنوات ينعي ابنه الغالي، الذي هو أنا، عن عمر يناهز الخمسين عاماً، ويحدد يوم غد موعداً لانتقالي إلى جواره.
تنهدت بارتياح بعد أن قرأت الإعلان.
* * *
اليوم الأول:
- زوجتي رفعت رأسها عن الجريدة وقد ظهر الضيق على وجهها:
- ولماذا غداً؟ قالت.
- وما المشكلة؟ قلت.
- لدينا سهرة، أنسيت؟
- آه تذكرت.
- سنضطر إلى تأجيل السهرة.
- للأسف.
* * *
ابني دخل إلى المطبخ صائحاً كعادته:
- الإفطار جاهز؟
- جاهز اجلس، زوجتي أجابت.
- ابني جلس، زوجتي جلبت له الشاي وصبت لي أيضاً.
- سوف يموت غداً. زوجتي تحدثت.
- من؟ ابني سأل.
- أبوك.
- نظر إليّ مستفسراً، هززتُ رأسي له مؤكداً. ابني ضحك وعلق:
- هكذا أنت يا أبي لا تتغير، دائماً مستعجل.
- هم الذين حددوا التاريخ لا أنا.
- هل أنت متضايق؟
- لا.. ولكن يجب أن تساعدني في ترتيب بعض الأمور كي أكون جاهزاً في الموعد المحدد.
- متى موعد الجنازة؟
- بعد صلاة الظهر، غداً.
- الحمد لله لن يفوتني موعد الغداء مع خطيبتي.
- زوجتي علّقت بضيق:
- هذا يعني أنني سوف أتغدّى لوحدي غداً.
- أمي لا أستطيع تفويت هذه الفرصة، فالدعوة منها، والتفت إليّ.
- بماذا يمكن أن أساعدك يا أبي؟
- هناك أولاً الوظيفة يجب أن أقوم بالتسليم وإنهاء عملي، ثم هناك مكتب دفن الموتى، وأخيراً طبع أوراق النعوة وتوزيعها..
- أنا سأقوم بتوزيع هذه الأخيرة، ابني أجاب وتابع: أعطني خمسة آلاف.
زوجتي صفرت ثم علقت:
- كثير.
- يا أمي الورق غال، والطباعة مكلفة. ابني رد على زوجتي.
- هذا صحيح وافقت أنا على كلامه وتابعت: أعطه المبلغ وأعطني ما تبقى معك كي نسدد تكاليف الدفن للمكتب.
- على هذه الحالة سيذهب كل ما وفّرناه، زوجتي علقت ساخرة.
- وماذا سنفعل؟ أجبت: الموت أصبح مكلفاً هذه الأيام.
تابعنا إفطارنا.
* * *
في الوظيفة:
ما إن رآني زميلي في الدائرة حتى نهض من خلف مكتبه واتجه نحوي معانقاً.
- ألف مبروك.
- الله يبارك فيك.
- قرأت الخبر في الجريدة ولكن يا خبيث كيف دبرت الأمر بهذه السرعة، الناس ينتظرون أشهراً وأعواماً ولا يأتيهم الدور، واسطتك قوية على ما يظهر.
- انتفشت ثم همهمت وغمغمت مبتسماً له ومضيعاً الجواب، ثم قلت:
- والآن يجب أن أقوم بالتسليم و.. ولم يدعني أكمل كلامي:
- أعرف أن وقتك ضيق، وقد قمت بإنجاز معاملتك وهي جاهزة الآن وما عليك إلا أن تُوقِّع.
- عظيم أنا شاكر لك.
- وقد وافق رئيس الدائرة على أن أستلم مكانك.
- مبروك.
- الله يبارك فيك، أجابني وهو يعطيني الأوراق كي أوقعها.
وقعت وانصرفت.
* * *
مساء:
وأنا عائد إلى البيت بعد أن أنجزت كل المعاملات المتعلقة بموتي. توقفت أمام الأوراق الملصقة على الحائط وقرأت:


















