قصة قصيرة- روميو وجولييت زماننا
كتبهاعلاء الدين كوكش ، في 21 تموز 2006 الساعة: 17:37 م
بقلم: علاء الدين كوكش
مقدمة تاريخية
حدث ما سنقرأه في دمشق، أواخر التسعينيات، أواخر القرن العشرين وقبل أن يبدأ القرن الواحد والعشرون.
***
جهّز مسدسه وهيأه للإطلاق، وخبأه تحت وسادة سريره. كان قد اتخذ قراره البارحة بعد تفكير طويل وبعد مضي أسبوع على آخر لقاء لهما.
جرى ذاك اللقاء في حديقة تشرين، ورفضت أن يكون في شقته الصغيرة التي شهدت أيام أوجاعهما الحزينة والسعيدة، وعلى مدى سنوات طويلة.. قالت له إنها ستتركه، إذ لا مستقبل لحبهما.. وقالت وقالت وقالت… كان يسمع ما تقوله وينظر إلى السماء، كان لونها مثل لون قرص الفلافل الذي طالما أكلا سندويشاته بمتعة. أنهت حديثها وأعطته مفتاح شقته وذهبت، عجز عن أن يوقفها أو حتى يناديها…
مضت سبعة ايام على ذاك اللقاء، لم يتصل بها ولم تتصل به، حتى صباح هذا اليوم… رفع سماعة الهاتف وطلبها، أتاه صوتها عبر الهاتف… أراد أن يقول لها صباح الخير ولكن صوته لم يخرج. أجابته بعد صمت قصير: صباح الخير.
قال لها: أنا قاسم.
قالت له: أعرف.
وصمت الاثنان لسنوات… تحدث قاسم أخيراً:
- هل يمكن أن أراكِ؟
- كي نناقش موضوعنا؟
- لا…
- إذن؟
- كي أودعك.
صمتت ليلى وقد غصت.
- ليلى أرجوكِ… اللقاء الأخير.
- عندك في البيت؟
- أرجوكِ.
- على شرط.
- …..
- أو، لن آتي.
- قولي.
- أن لا نتناقش في هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد.
- لا لن نتناقش.
- تعدني؟
- أعدك.
- ماذا تريد أن أجلب للغداء؟
- فلافل.
- لا… هذه المرة سنحتفل… فروج مشوي ما رأيك؟
- كما تريدين.
- هل أنت جائع؟ وقالتها بدلالها الأنثوي المحبب إليه.
- أجابها: إنه جوع تاريخي مزمن.
- ضحكت وقالت: إذن انتظرني فإني آتية إليك مثل الموت…
رنت ضحكتها: في أذنه، ووضع السماعة على صدره، واغمض عينيه بسعادة… لا زالت هي ليلى التي يحبها…
أعاد السماعة إلى مكانها، وقف أمام السرير وبدأ يعيد في ذهنه رؤية ما سيجري كما خطط له، توقف ذهنه عند لحظة إطلاق المسدس، عبثاً حاول أن يتخيل ما سيجري بعدها، تجمدت مخيلته عند فوهة المسدس التي كان يراها كبئر مظلم يهوي فيه ويتابع السقوط دون أن يصل إلى القعر…
انتشله من ظلامه رنين الجرس، فتح الباب، دخلت ليلى مسرعة وأغلقت الباب بقدمها قائلة: لقد رآني جارك الوغد المتلصص وأنا داخلة…
أخذ منها ما تحمله بيديها، تشمّم بمتعة رائحة الفروج التي ملأت البيت، ابتسمت ليلى وقالت له: بدأت أغار من الفروج.
فقال لها: انتظري، دورك قادم.
لحقت به إلى المطبخ وهي تسأله بدلال: بمن سوف تبدأ؟ التفت لها، كانت تفيض إغواء، تابعت: بي أم بالفروج؟ قال لها وقد بدأ صدره يخفق: هذه اللحظات ملكك، ولك أنت أن تقرري. هزت رأسها بنعومة وقالت له: اتبعني إذن…
التفتت وغادرت المطبخ ببطء… كان يتابعها ويختزن ما يراه، لقد كان هناك عشرات من الصور الجميلة والجديدة التي بثتها ليلى منذ أن دخلت… أهي جديدة فعلاً؟ أم أنه هو الذي يراها الآن كذلك. أسند رأسه إلى خزانة المطبخ وأغمض عينيه وبسرعة بدا يهوي في البئر… فتح عينيه موقفاً سقوطه. بدأ يشك في قدرته على متابعة تنفيذ قراره.
عاد مرة أخرى للسقوط وأخذ يهوي، انتشله صوتها من البئر وهي تناديه…
دخل غرفة النوم ليجد ليلى ممددة على السرير عارية، تنظر إليه بابتسامة حنونة، لم تكن تخفي شيئاً من جسدها، وللمرة الأولى تعرضه عليه كاملاً كي يراه للمرة الأخيرة.
أخذ يتأملها بتفصيل محاولاً تثبيت هذه التفاصيل في أعماق روحه، بدأ بالوجه المستلقي على الوسادة تناثرت تحته خصلات شعرها الأسود، وذراعاها تحيطان وجهها بإهمال، لقد تحررتا من دورهما في حجب وستر هذا الجزء أو ذاك من جسدها الأبيض الوردي.
وصل إلى قدميها المتعانقتان، ود لو يهجم عليهما ويقبلهما باكياً فوقهما، ولكنه تماسك، بدا يتحرر من ثيابه، وتقدم منها، وبهدوء ألقى بنفسه فوقها، أحاطته بذراعيها بقوة، نظر في عينيها، وكانت تنظر له بشوق.
قال لها: ليلى… أحبك.
قالت له: لم ولن أحب أحداً غيرك.
تابع النظر في عينيها فغاصت في عينيه محركة مياهها الساكنة، أمسكت رأسه بإشفاق، وأراحته على صدرها وهي تسأله: هل تحب أن تنام على صدري؟ هز برأسه فتحركت مياه عينيه وأخذت تسقط، أغمض عينيه وبدا يسقط هو أيضاً… أتاه صوت من بعيد:
- إذا لم يكف الأطفال الصغار عن البكاء فلن نطعمهم ما يحبون…
ومدت الكلمة الأخيرة حتى تغلغلت في أعماقه، مسح عينيه بيده، وبدأ يقبلها بجنون… بدأ بفمها ثم ارتفع إلى أنفها ثم عينيها ثم جبينها… وكانت يد غريبة تتسلل إلى تحت الوسادة.
استسلمت إلى قبلاته المجنونة… هل كان يقبلها من قبل هكذا؟ إنها تحس اليوم بطعم حارق جديد لقبلاته، أعادت لها طعم القبلات الأولى… أحاطته بذراعيها بقوة، وأغمضت عينيها بنشوة، أحست بنفسها تطير خارج البيت، وتسبح في سماء دمشق وتصرخ بأعلى صوتها: يا عشاق دمشق اتحدوا.
وسمعت صوت قاسم يأتي من أعماق أعماق دمشق: ليلى.. إنني قادم.. ليلى إنني قادم، ودوى صوت انفجار فوق رأسها أسقطها من تحليقها… تنبهت من حلمها، لتشعر بجسم قاسم وقد سكن فوقها، وبدأت تشم رائحة غريبة، أحست بشيء لزج وحار يسيل فوق وجهها… بدأت تنادي قاسم بحذر وصوت منخفض ولكنه لم يرد، وازداد ثقل جسمه عليها، بدا قلبها يدق من الرعب، أحست بحدوث شيء ما، لم تعد تستطيع التخمين فقد أصاب عقلها الشلل… استجمعت قوتها ودفعت بقاسم من فوقها إلى جانب السرير، لقد كان المنظر مرعباً، وأدركت الآن ما حدث، لقد قتل قاسم نفسه فوقها!
* * *
لحظات بطيئة طويلة مرت دون أن تستطيع التفكير إلى أبعد من ذلك.. أخيراً التفتت إليه وسألته: لماذا فعلتها يا قاسم؟… كان فمه مفتوحاً ولكن دون جواب… تنبهت إلى الدم يسيل على جسدها، تحركت تجاه الحمام وفتحت مياه الدوش فوقها… أنعشت المياه أحاسيسها فبدأت تشعر بالغضب والكره تجاه قاسم، لماذا فعل ذلك؟ كان بإمكانه أن يقتل نفسه بعيداً عنها وليس معها.. ترى هل كان يريد الانتقام منها بذلك؟ ولكن لماذا الانتقام؟ لقد شرحت له كل شيء، لن يكفي حبهما للعيش بكرامة… وهي لا تريد أن ترى أطفالها مذلون مهانون في المستقبل.. لقد سمع منها كل ما قالته ولم يعترض على أي شيء،حتى أنه بدا مقتنعاً بقولها، وكان صامتاً.. أعطته مفتاح قن الدجاج هذا، وذهبت دون أن يناديها حتى… تنبهت من أفكارها على صوت قرع الباب بإلحاح، أغلقت الدوش، ومشت إلى الباب والماء يقطر منها، نظرت من العين الزجاجية فرأت الجار المتلصص ومعه عدد من الجيران الآخرين، وهم يتبادلون الحديث وقرع الباب.
أدركت الآن أنها محاصرة، ولن تستطيع الخروج، وإن لم تفتح الباب فسيقتحمونه بعد قليل…
اتجهت نحو ملابسها وبدأت بارتدائها بشكل آلي، وهي عاجزة عن التفكير فيما ستفعل بعد ذلك..
حانت منها نظرة إلى قاسم فتوقفت عن حركتها، كان جسده العاري ممدداً على السرير كتمثال جميل من الشمع، والمسدس لا زال بيده مصوباً على رأسه… لقد جمدوه في لحظة ما من حياته كما في متاحف الشمع، لوحة جميلة ولكن كان ينقصها شيء ليكتمل المعنى… بدأ الخبط على الباب يتزايد.. ولكنه بدأ يبتعد عنها ليطغى عليه صوت قاسم: إنني قادم يا ليلى.. وفجأة أشرق في ذهنها ما ينقص اللوحة ليكتمل المعنى..
عادت إلى خلع ملابسها بهدوء حتى أصبحت مثل قاسم، تحركت نحو السرير ونزعت المسدس من يده بسهولة، لم يقاوم، ثم تمددت إلى جانبه، أحست بالراحة والصفاء مع نفسها ومع قاسم، التفتت إليه… نظرت إلى وجهه الجميل، كان يشع بالألوان الفاقعة، سألته: هكذا تريد يا قاسم؟ وضعت شفتيها على فمه المفتوح، وأخذت الجواب منه.
أغمضت عينيها، وأطلقت الرصاصة.
***
نهاية تاريخية:
في دمشق أواخر التسعينيات…. أواخر القرن العشرين كان هناك متحف للشمع في قبو صغير يقع أسفل الشارع في الطابق الثالث تحت الأرض بثلاث وستين درجة، كان المتحف يضم لوحة لجسدين شابين جميلين… كانت اللوحة تقول شيئاً ما…. ولكن الذين اقتحموا القبو، كانوا ينظرون إلى اللوحة بفضول وتلصص، دون أن يفهموا شيئاً مما تقوله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نصوص قصصية | السمات:نصوص قصصية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 22nd, 2006 at 22 يوليو 2006 10:06 م
أستاذ علاء… إن قصتك تروج لفكرة الانتحار، والحب الحقيقي جدير بالحياة لا الموت!
يوليو 28th, 2006 at 28 يوليو 2006 8:40 ص
قصة شفافة، لكنها حزينة جداً… مساكين عشاق هذه الأيام… يستحقون الشفقة والإنسانية
يوليو 29th, 2006 at 29 يوليو 2006 5:22 م
الكثير من القراء ربما لن يفهموا شيئا من اللوحة… كما نهاية القصة تماما، لأن هذه القصة فيها دفاع عن الحب وعن حق الحب في الحياة لا الموت… لكنه دفاع مختلف، إنه يمس الجوهر والعمق وشغاف الروح… قصصك موجعة يا أستاذ علاء… تأملتها كلها في الموقع، فوجدت أنها مثل الصفعة… ولكنها صفعة من طراز عميق ومختلف ومفاجئ… أهنؤك!