قصة قصيرة- وأخيراً غلبه البكاء!!
كتبهاعلاء الدين كوكش ، في 14 تموز 2006 الساعة: 21:15 م
بقلم: علاء الدين كوكش

- أفلام فيديو.. سيكس للبيع..
سيكس سيكس سيكس..
كان عادل ذو الخمس عشرة شتاء ينادي بصوت منخفض يحاول إيصاله فقط للزبائن الذين يمرون به ثم يغوصون داخل هذه اللجة البشرية التي تتعاطى بيع وشراء المسروقات المختلفة.
- سيكس للبيع.. سيكس سيكس..
ما بقي غير ها الشريطين.. لحق حالك.
كان هذه المرة صادقاً بندائه، إذ لم يبق معه غير شريطين بالإضافة إلى الشريطين اللذين أعطاهما لسعيد. كان «المعلم» محقاً حين قال له: اليوم يا عادل بدي أعطيك شغلة تنتفع منها وتنباع معك بسرعة. وأعطاه عشرة أشرطة، باع منها ستة خلال ساعتين من بدء افتتاح السوق.
كان الزبائن يقرأون العناوين الملصقة على الأشرطة وينتقون منها ما يتفق وأمزجتهم وكان عادل يراقب وجوههم وهم يقلبون الأشرطة، وتظهر على الرغم منهم بعض الانفعالات التي يحاولون إخفاءها.. كان عادل يفهم هذه الانفعالات، وقد أحس بها هو وصديقه سعيد وتحدثا عنها قبل أن يذهبا للسوق.
قال له سعيد وهو يكبره بشتائين:
- ولك عادل شفت شي مرا بزلط ربها؟
- لأ. إنت شفت؟
- إي، بس بالمجلات، نسوان كتير وكل واحدة جسمها أحلى من التانية.
- بتعرف ولك سعيد متمني شوف شي شريط من هالأشرطة.
- أديش بتدفع إذا خليتك تشوف شي واحد منهن؟
- إيمتى؟
- اليوم المسا.
- قد ما بدك.
- بتدفع حق البيرة؟
- بدفع.
- طيب تعا لننقي شي شريط من هالأشرطة نقيمو.
- ليش ما نقيم شريطين مرة واحدة.
- شايفك ملهلب.
- صارت وصارت.
- ما شي كلامك.
وسرحا بين العناوين المختلفة للأشرطة، كل عنوان كان يوحي لهما بغابة من السيقان البيضاء تتراقص أماهما بنشوة..
وبعد حيرة وتردد توقفا عند عنوانين قررا الاحتفاظ بشريطيهما: «الشرطية الحسناء» و«سيدات الخطيئة»، أحسا باختيارهما هذا بأنهما يجمعان الجنس من أطرافه المتناقضة: الشرطة والخطيئة، وقد ضحكا من ذلك بعد تعليقات خاصة..
أخذ سعيد الشريطين وغاب بهما، وحين رآه عادل في السوق قادماً أشار له بيده مستفهماً، فأجابه عادل وهو يرفع إبهامه للأعلى بانتصار: مشي الحال.. اليوم الساعة تسعة.. أحس عادل بالنشوة تغمره.. فهو على موعد الليلة مع تجربة جديدة.. رؤيا جديدة ينام بعدها لأول مرة على أحلام مرئية لا متخيلة.. اعترته رجفة خفيفة لذيذة، تمنى لو أن الوقت يمر بسرعة.
- سيكس للبيع.. سيكس سيكس.
سمع صوت سعيد وهو ينادي على الراديو الذي يحمله بيده، فاقترب منه عادل وأخذ ينقر بأصابعه على الشريطين اللذين بيده وهو ينادي مداعباً سعيد:
- سيكس سيكس سيكس.. سيكس للبيع.
أجابه سعيد ممازحاً:
- بيعنا شي مرا حلوة من النسوان يللي معك.
- والله النسوان خلصوا بقي رجال إذا بدك.
- خليهم إلك.
وضحك عادل من أعماقه.. ضحك بسعادة ولكنه أحس فجأة بقشعريرة تغزو جسمه، ويد تقبض على عنقه، اختفى سعيد من أمامه مرعوباً، وسكنت الأصوات من حوله تماماً أدرك بعدها أنه واقع في يد الشرطة..
* * *
تأمله ملياً رئيس الدورية التي داهمت المكان، وقد كان جالساً خلف مقود سيارته، ثم سأل الشرطي الواقف خلف عادل بلباسه المدني: فتشتوه؟
وأجاب الشرطي: إي نعم سيدي. ما لقينا معه غير شريطين هالفيديو وحوالي ألف ليرة.
مد رئيس الدورية يده من خلال نافذة السيارة وأخذ الشريطين من يد الشرطي، نظر إلى عناوينهما فاختلجت شفتاه.. عاد للنظر إلى عادل الذي كان يراقبه، وحين رأى نظرة رئيس الدورية الخاصة، خالجه إحساس غريب فأطرق برأسه متنبهاً، سأله رئيس الدورية:
- أديش عمرك ولا؟
أجابه عادل دون أن ينظر إليه، تمنطعش (18). وحين أتاه صوت رئيس الدورية: كذاب، أجاب بسرعة: سبطعش (17)
- كذاب.
رفع عادل رأسه ناظراً بدهشة إلى رئيس الدورية الذي كان يحدق فيه، انفرجت شفتا رئيس الدورية قليلاً عن لسانه الذي تسلل خارج فمه مبللاً شفتيه وراسماً عليهما ابتسامة خفيفة أحس بها عادل تلتصق على جسده..
تملكته الحيرة إزاء هذا المسؤول الجديد الذي يراه لأول مرة منذ أن بدأ يتعاطى مهنة بيع المسروقات والمهربات، وكان ذلك منذ أربع سنوات.
أجاب مستسلماً وهو يطرق برأسه:
- خمسطعش (15)
- مو بكير عليك تتعاطى هيك شغلات؟
رفع عادل رأسه حين سمع سؤال رئيس الدورية ونظر له باستنكار خفيف ثم أشاح برأسه دون جواب، التفت بعدها رئيس الدورية للشرطي آمراً:
- طلّعه جنبي وعطيني فلوسه لشوف، واسبقوني مع البقية عالمخفر، أنا لاحقكم.
نفذ الشرطي الأوامر وانصرف مبتعداً، بينما انطلقت سيارة رئيس الدورية غائبة في الشارع الطويل.
كانت الشوارع تمر بعادل دون أن يراها، فقد كان شارداً يفكر فيما ينتظره في المخفر من شتائم وإهانات، ولا يعرف بعدها كيف ستنتهي الأمور هذه المرة، فهو بالإضافة إلى تعامله مع مواد مسروقة، فهي ممنوعة أيضاً ولا يدري عقوبة ذلك، ولن يجديه إنكار معرفته بمحتوياتها، فالعناوين واضحة تدل عليها.. تذكر سهرة الليلة التي كان سيحضرها، أحس بالضيق لأنه سيغيب عنها.. تداعى لذهنه فجأة عنوان أحد شريطي السهرة «الشرطية الحسناء» وتنبه لرئيس الدورية الجالس بجانبه خلف مقود سيارته، أثار هذا الوضع السخرية في أعماقه، ولا يدري كيف انبعث فجأة بذهنه هذا التعليق: «عال تأمنت الشرطية الحسناء وبقي يتأمنوا سيدات الخطيئة» كاد يضحك لهذه المفارقة ولكنه تمالك نفسه واكتفى بالابتسام،توقفت السيارة فجأة، تنبه عادل من شروده ملتفتاً لرئيس الدورية ليفاجأ وهو يحملق فيه باستغراب، وحين نظر إليه عادل مستفهماً أتاه الجواب مباشرة.
- شايفك مبسوط.
أشاح عادل برأسه دون أن يجيب (ابن الحرام، لقد لقط ابتسامتي)
تابع رئيس الدورية:
- عجيب.. صرلي أكتر من عشر سنين بالشرطة ما مر عليي واحد متلك.. كلهن بالعادة بيبكوا وبيحلفوا أو بيترجوا أنو نترأف فيهن.. إلا أنت ما حكيت شي لحد هلأ..
فكر عادل لنفسه (غريب أمر هذا المسؤول، لماذا يريد مني أن أكون كما يرغب، لا أحب البكاء، فأنا أعرف ماذا أفعل، ولقد فعلته باختياري، فأنا أربح من عملي هذا في اليوم الواحد ما يتقاضاه موظف في أسبوع وأحياناً ما يتقاضاه في شهر، كما وأنني سأعود إلى عملي هذا بعد انقضاء مدة العقوبة، وهو يعرف ذلك فلماذا يريدني أن أتظاهر بالندم.. المنافقون)
تنبه عادل من تفكيره على صوت رئيس الدورية:
- بدك تحكي شي قبل ما نروح عالمخفر؟
تملكته الدهشة لهذا السؤال الغريب.. وفكر (ماذا يريد منه ابن الحرام هذا؟)
تدفق الدم إلى وجهه حين أحس بأصابع رئيس الدورية تداعب وجنته.. فهم الآن سبب إحساساته المبهمة التي أحسها تجاه هذا الرجل.. ارتبك واحتار فيما يجب أن يكون عليه رد فعله.. فهو لم يتوقع مثل هذا الأمر مسبقاً. التفت نحوه فرآه يبتسم له، وبحركة التفاتته هذه أصبحت أصابع الرجل تحت ذقنه فأمسك بها محدثاً إياه:
- مبين عليك ولد ظريف.
تملك الضيق عادل لصفة الولد التي أطلقها عليه فأفلت ذقنه من بين أصابع الرجل وأشاح برأسه، ويبدو أن الرجل أحس بضيقه فتابع:
- معك حق تتدايق، إنت بتصرفاتك أكبر من سنك بكتير.. منشان هيك رح قلك شو بدي منك بصراحة..
لم يستطع عادل أن يكتم فضوله فالتفت له مستطلعاً. بينما تابع الرجل:
- قدامك حلين ما في غيرهن..
يابتروح عالمخفر مباشرة وإنت بتعرف شو عم يستناك هنيك.. أو.. بتجي معي عالبيت منتفرج عالشريطين هدول و.. منقعد شوي وبعدين بعطيك فلوسك وبتمشي.. بعتقد فهمت عليي..
.. فهمت عليي.. فهمت عليي.. فهمت عليي..
تصاعد طنين هذه الجملة في أذنيه مصحوباً بدقات قلبه التي تضخمت حتى أنه لم يعد يستوعب شيئاً مما حوله.. حاول التفكير ولكنه كان عاجزاً عن التفكير.. تسلل إليه بعد قليل صوت من بعيد..
- وبعدين.. شو قلت؟
..شو قلت؟.. شو قلت؟.. شو قلت؟..
أطرق عادل برأسه بعد أن أعياه الجواب..
أحس بالسيارة تتحرك.. كان عاجزاً عن فعل أي شيء..
وتحركت السيارة.. وكان بيت رئيس الدورية يتقدم من عادل ليبتلعه..
* * *
.. .. .. .. ..
.. .. .. .. ..
* * *
تحركت القدمان بعد أن أغلق الباب خلفه.. كانتا تمشيان في الشارع دون توجيه ودون هدف.. كان الإحساس بوقع أقدامه ينتقل إلى رأسه مباشرة دون أن يستطيع المرور بجسده، فقد كان هناك منطقة ما من جسده قد أصبحت لا تمت إليه بصلة..
.. توقفت القدمان أمام كرسي في حديقة معزولة، وعندما جلس عادل أحس بالألم ينفجر من وسطه، وصلت شظايا هذا الانفجار إلى عينيه وخرجت منهما عبر قطرات من المياه كانت تنهمر على جسده وكأنها تحاول غسيله كي تنظفه مما لحق به.
..سقطت العتمة أخيراً على عادل، شعر بالبرودة، فتنبه ملتفتاً حوله، لم ير أحداً، أحس بالراحة وفكر: (لن يخبر أحداً بما جرى له، ولا حتى صديقه سعيد، سوف يقول لهم إن رئيس الدورية طلع ابن حلال فأشفق عليه وأطلق سبيله بعد أن أعاد له نقوده، ولن يعلم أحد بالأمر).
هذا القرار بث فيه القوة من جديد، ودفعه للوقوف والتحرك خارج الحديقة. مر من أمام بائع فلافل، كانت رائحة القلي الصادرة أقوى من أن يقاومها عادل، فأحس بالجوع، توقف عند البائع والتهم سندويشتان.
مشى في الشوارع طويلاً قبل أن يجد نفسه أمام موقف الباص المزدحم بالناس، تردد بين الركوب ومتابعة المشي، ولكن قدوم الباص واندفاع الناس نحوه حملاه إلى داخل الباص دون أن يتخذ قراره بعد. امتلأ الباص حتى كاد أن ينفجر، ولكنه تحرك قبل ذلك. كان الناس الواقفون في الباص متلاصقين، وكان عادل في وسطهم، وكان الجميع يتأرجحون ويتمايلون تبعاً لاندفاعات الباص والتفافاته.
كانت تقف أمام عادل امرأة ممتلئة، لم ير عادل منها سوى شعر رأسها، وكان يقف خلفه رجل طويل عريض، كان عادل يحس بثقل بنيانه عند كل توقف للباص أو تخفيف لسرعته، حاول عادل الابتعاد عنه بشكل غريزي مما دفعه للالتصاق بالمرأة أكثر، وكان جسمها دافئاً.. وانتقل هذا الدفء إلى جسد عادل فأيقظه، وأرسل هذا التيقظ الذي انبعث حاداً في وسط جسده بعض الإشارات لذاكرته فأيقظها رغماً عنه، وبدأت صور اليوم تتداعى في مخيلته.. حاول عادل الهرب منها ولكنها كانت تلاحقه.. كان جسد رئيس الدورية يقترب منه.. حاول عادل الابتعاد عنه ولكن يدا رئيس الدورية أمسكتا به من كتفيه بقوة وشدته إلى الخلف، فاندفع عادل بجسمه إلى الأمام محاولاً الهرب.. صرخت المرأة، فتح عادل فمه محاولاً أن يتكلم ولكن نعرة قوية من الخلف على رأسه حولت كلامه إلى أنّةٍ مكتومة، أدار عادل وجهه للخلف محاولاً الاحتجاج ولكن كفاً قوية هبطت على وجهه، أحس عادل بأنه لم يعد يرى شيئاً، ملأ الغضب كيانه، فتشنج جسده أكثر.. صرخت المرأة.. بدأت الضربات تنهال على عادل، حاول عادل الهرب منها فاحتمى بالمرأة معانقاً إياها، ازداد صراخ المرأة، وازدادت الضربات عليه، أحس عادل بالألم فصرخ، بدأ صراخه خافتاً ثم أخذ يشتد حتى طغى على كل صوت آخر.. كان يصرخ بجنون ودون توقف حتى أحس بالتعب فتوقف عن الصراخ.. ثم.. سالت الدموع من عينيه..
أخيراً بكى عادل.. وأجهش بالبكاء..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نصوص قصصية | السمات:نصوص قصصية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 18th, 2006 at 18 يوليو 2006 9:38 ص
قصة روووووووووووعة
يوليو 18th, 2006 at 18 يوليو 2006 2:14 م
هذه القصة إن طانت حقيقة فهي ضلم كبير لطفل لم يتجاوز بعد السن القانوني
يوليو 18th, 2006 at 18 يوليو 2006 2:53 م
استاذ / علاء
لك عافية الحرق اينما كنت … رغم غرابة اللهجة علي كسودانية الا انني لم اجد اي صعوبة في تناولها فقد كان السرد مميزا …
اماني اطفال
يوليو 18th, 2006 at 18 يوليو 2006 7:07 م
تعتبر هذة القصة من الحالات الكثيرة التي يمر بها مجتمعنا حاليا
يوليو 18th, 2006 at 18 يوليو 2006 8:58 م
قصة مؤثرة فعلا… وهي مكتوبة بحرفية عالية وإحساس عميق.. إنها صرخة ضد الظلم… ودمعة ضد الظلم… سلمت يداك يا أستاذ علاء
يوليو 19th, 2006 at 19 يوليو 2006 2:47 م
استاذ علاء لك التحية ..القصة مؤثره جدا لكنها غربية ودخيلة على مجتمعنا العربى - هذا ايحاء الى موشر اجتماعى دخيل وخطير وجديد على مجتمعنا العربى الاسلامى يؤدى الى تدمير البنية الاساسيه فيه ————–سودانية
سبتمبر 20th, 2006 at 20 سبتمبر 2006 9:00 ص
قصة جميلة وتكاد تكون واقعية ..هذا السلوك منتشر فى مجتمعاتنا العربية ..القصة لها رمزية عالية جدا ..فالحكومات القاهرة التى يكونها العسكر كأنها تغتصب الشعوب المقهورة ..ولكن الشعوب وكأنها منومة أو مخدرة ..لا ترفع صوتاَ ولا تبكى ألماً..أهنئك با اخ علاء
أكتوبر 6th, 2007 at 6 أكتوبر 2007 6:08 م
اريد اشوف المسرحيه لوسمحتو
نوفمبر 8th, 2007 at 8 نوفمبر 2007 9:42 ص
dkkjkjufjujfdffdfdikdfkdf