قصة قصيرة- المبتسم دائماً
كتبهاعلاء الدين كوكش ، في 7 تموز 2006 الساعة: 20:01 م
بقلم: علاء الدين كوكش

السيد المدير العام للسجن:
أرفع إليكم يا سيدي تقريراً مفصلاً عن حياتي كما طلبتم:
إسمي: أسعد النجار. ولكنهم لا يعرفونني إلا بإسم أسعد المبتسم. وقد أطلق علي هذا اللقب جيراني ورفاقي الذين يحبونني…
ولدت في دمشق عام 1948 م وقد أصبح عمري الآن 56 سنة
وعندما ولدت لم يكن أبي موجوداً فقد ذهب إلى حرب فلسطين وكان شاباً
واختفت آثاره هناك ولم يعد… وعشنا على أمل أن يرجع في يوم ما ولكنه حتى الآن لم يرجع…. وصار رفاقي بالمدرسة يمازحونني بعد ذلك ويسمونني طفل النكبة وأحيانا ً كانوا ينادونني أسعد النكبة.. وعندما كنت أذهب إلى جدي شاكيا ً كان يقول لي: ولماذا البكاء… ابتسم… إذا كان في ندائهم هذا سعادة لهم فيجب أن تكون مسروراً… وهل هناك أجمل من أن يكون الإنسان مصدراً لسعادة الآخرين؟! أما بالنسبة للنكبة فهي ليست الأولى ولا الأخيرة… لقد مرت على أمتنا الكثير من النكبات وهذه واحدة منها… صحيح أن أبوك ذهب فيها ولكنك أتيت أنت. الحياة تسير رغم كل شيء.. وغدا ً ستكبر و تتزوج وتنجب أطفالا ً.. سيكونون مصدر سعادة لك
وستبتسم لهم… وهكذا تستمر الحياة سواء كنت عابسا أو مبتسما ً
نسيت أن أقول إن جدي والد أبي هو الذي رباني أنا وأخوتي الأربعة , فقد تركتنا أمي ورحلت بعد مجيئي بسنوات… إلى أين لا أعرف… يقال إنها التحقت بأبي… ولا زلت أحلم حتى اليوم بلقياها.
توفي أخي الأكبر بعد رحيل أمي بسنتين… وعندما بكيت قال لي جدي: لماذا البكاء…. الله أعطى والله أخذ…. و يظهر أن الله قد قرر أن يأخذ معظم ما أعطاه فأخذ إخوتي الآخرين… قال لي جدي لا تحزن فهناك حكمة خلف كل شيء… قلت له ولكنهم ماتوا… قال: وبقيت أنت, وابتسم لي.
كان دائما ً يرى الكأس من نصفه الممتلئ و يرى أن للأمور دائما ً وجهان وفي قلب الشر يوجد الخير ولكن يجب أن تبحث عنه وتراه…. وكان يردد على مسامعي تفاء لوا بالخير تجدوه… وقد أثر ذلك علي و كنت أحب جدي و ابتسامته الدائمة التي انتقلت إلى وجهي حتى أنهم صاروا ينادونني بالمدرسة الثانوية بالمبتسم… وأنا نفسي تأثرت بهذه التسمية وعندما سألني مرة أحد الأساتذة ماهو اسمك قلت له: أسعد. قال: أسعد ماذا؟ قلت له: أسعد المبتسم… فضحك طلاب الصف وعاقبني الأستاذ فقد ظن أنني أسخر منه!
كان جدي يقول لي: عندما تمر بك أمور سيئة تذكر دائماً أن هناك الأسوأ وسألني وقد كنت آكل سندويشة ،قال: ماذا تأكل الآن قلت له: فلافل. قال: عظيم أنت بأكبر نعمة، نحن بزماننا لحقنا الجمال لنأكل من خرائها… وقد قمت بعدها باللحاق بجمل للتحقق مما قاله جدي ويظهر أنني ضايقت الجمل فلبطني على صدري لبطة أبعدتني عنه عدة أمتار وأوصلتني هذه اللبطة إلى المستشفى حيث بت فيها شهراً وعندما خرجت كان جدي واقفاً يبتسم لي قال: كما قلت لك هناك دائماً الأسوأ… كان يمكن لهذه اللبطة أن ترسلك إلى الرفيق الأعلى ولكنك مازلت حيا ترزق معي.
كنت أدرس في الجامعة عندما سقطت القدس في نكسة عام1967 تأثرت وذهبت إلى جدي باكيا، فقال لي: فكر فيما قلت لك، هناك دائماً الأسوأ قلت له: أسوأ من هزيمتنا وسقوط القدس؟! قال: أنت تعيش في دمشق ودمشق لم تسقط… وابتسم ولكنِّ ابتسامته كانت مختلفة عما سبقها، ثم تنهد وقال لي: المخيف يا بني ليس سقوط المدن ولكن سقوط الناس هو المخيف…
المدن تسترد ولكن الناس لا يستردون… أحسست للمرة الأولى بنبرة تشاؤم
في لهجة جدي…
تخرجت من الجامعة مهندسا ً ميكانيكيا ً وبتفوق, توظفت لدى الدولة في معمل للنسيج وبعد سنوات أتوا بمدير للمعمل يحمل شهادة في الحقوق و قد تجاوزوا أحقيتي واختصاصي في المنصب… وقد انزعجت وقلت لجدي:
هل تريدني أن أبتسم لذلك. قال: نعم… على الأقل هذا المدير يحمل شهادة
جامعية وكان من الممكن أن يسلموا الإدارة لحمار لا يحمل حتى شهادة ثانوية… وقد حصل ذلك فعلا بعد سنوات… وعندما تذكرت كلام جدي ابتسمت.
تزوجت بعد تخرجي بأربع سنوات. وعندما أتانا الولد الأول اكتشفنا بعد أشهر بأنه أطرش… قال جدي: احمد الله أنه يرى ويتكلم… وعندما أتى الولد الثاني كان أخرس… وعندما قلت ذلك لجدي قال: لا تقل إنه أخرس قل إنه يسمع ويرى… وعندما أتى الولد الثالث قلت لجدي إنه يسمع ويتكلم فقط… قال جدي لم تقل الحمد لله.. قلت له: الحمد لله على كل حال…. وبعدها تركتني زوجتي…. وقالت إن نسلي عاطل…
قال جدي عندما سمع ذلك: ليس نسلك وحده… إنه نسل هذه الأيام
سقط الإتحاد السوفييتي عام 1990 بعدها صار جدي يردد: الله يجيرنا من شيء أعظم…
ولما سألته عن سبب تردادها حكى لي حكاية الرجل الذي كان ذاهبا ً إلى الشنق ومع ذلك كان يردد: الله يجيرنا من شيء أعظم…. وكان الجلاد يستغرب ما يسمع وحين وضع الحبل حول عنقه أتى صوت المنادي بإيقاف عملية الشنق و استبدالها بالخوزقه …. فالتفت المحكوم للجلاد وقال له: ألم أقل لك الله يجيرنا من شيء أعظم!
نظرت إلى جدي باستغراب وقلت له : تتشاءم يا جدي ؟! أجابني وقد غابت ابتسامته لأول مرة: " وحق الله إن الآتي لأدهى وأعظم" قلت لجدي ولكنك لم تكن تحب الإتحاد السوفييتي. قال: نعم لم أكن أحبه ولكني كنت أحب الحلم الذي كان يمثله… والآن مات هذا الحلم!
وقبل أن يموت جدي همس بأذني: احتفظ بابتسامتك دائماً.. لا تدعهم يتغلبون عليك… أما أنا فلقد سرقوا ابتسامتي….. ومات جدي وعلى وجهه تعبير محير… أقسمت وقتها لجدي وقبل أن يدفن إنني لن أدع الابتسامة تغيب عن وجهي وحتى في أحلك الظروف.. ولا أدري لماذا أصبحت ابتسامتي هذه تخيف بعض الناس ومنهم مديري في المعمل الذي كان لا يحمل حتى شهادة ثانوية ولكنه كان حزبياً جيداً.. وهو الذي قدم تقريراً بي وقال إني فرحت لسقوط بغداد، وكل ما هناك أنه حين قال لي بغداد سقطت ابتسمت وقلت: ولكن دمشق باقية والقاهرة باقية وكل العواصم العربية الأخرى باقية… حينها صرخ بي وقال إني عميل… ولأول مرة وقتها أسمع بتعبير العميل النائم…. وحين كانوا يعذبونني فيما بعد ليأخذوا اعترافاتي كنت أتذكر قصة جدي والرجل المشنوق فأقول الحمد لله لم تصل حتى الآن إلى الخوزقه فابتسم رغما عني وهذا ما كان يستفز رجالكم أثناء التحقيق فيظنون أنني أسخر منهم…
هذه هي يا سيدي قصة ابتسامتي و التي طلبتم مني تقريراً عن حياتي من أجلها…
سيدي لقد أقسمت لجدي عند موته أنني لن أتخلى عن ابتسامتي و لهذا لم يستطع رجالك انتزاعها ولن يستطيعوا طالما أنا حي.
وتقبلوا فائق الاحترام
المواطن: أسعد المبتسم دائما
دمشق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نصوص قصصية | السمات:نصوص قصصية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 8th, 2006 at 8 يوليو 2006 11:28 ص
المخرج الأستاذ علاء الدين كوكش ، تحيه
كثيرة هي الابتسامات التي يتم انتزاعها ، على أيدي هؤلاء وأولئك
أود معرفة رأيك بما آل اليه الانتاج التلفزيوني من شلليلية ومحسوبية سخيفة وموجعه
بالنسبة لي على الأقل ، أخشى أني طلقت هذا الوسط قبل الاقتران به
رغم وجود عدة أعمال جاهزةى وشبه جاهزة كسيناريو لدي بي الكوميدي والدراما
الا أن الاحباط من وجود الشللية والعلاقات المقرفة ، أبعدتني
فهل هذا هو الفن ، وهل هذه رسالته ؟
ارجو التكرم بابداء رأيك
يوليو 8th, 2006 at 8 يوليو 2006 4:19 م
إنها أجمل قصة قرأتها في السنوات العشرة الأخيرة بلا مبالغة… قصة رائعة بكل معنى الكلمة، فيها توهج إبداعي كبير، وفيها ظرف نادر، وعمق مؤلم… أنت كاتب كبير يأستاذ علاء قبل أن تكون مخرجا كبيرا… شكرا
يوليو 9th, 2006 at 9 يوليو 2006 6:59 م
جميلة جدا
سلم قلمك لنا
يوليو 10th, 2006 at 10 يوليو 2006 11:26 ص
مرحبا استاذ كوكش
اود انا اقول لك انا قصتك هي تحفة روائية واقعيه وافعلا اطلب منك ان تبقى هكذا في كتابة الروايات الواقعية التي تحس في مشاع امتنا العربية واتمنى لك كل التوفيق مع كامل احترامي لك
اختك من القدس العربية رشا حسام
يوليو 10th, 2006 at 10 يوليو 2006 11:40 م
الإخوة الأعزاء
الرجاء تشريفنا بزيارة جريدتنا على الرابط التالي:
http://www.maktoobblog.com/feddan
مع خالص المودة والتقدير
الفدان، جريدة الأخبار الثقافية التطاونية