أنا ومدونات مكتوب وعام جميل انقضى: التواصل المستعاد!

كتبهاعلاء الدين كوكش ، في 7 شباط 2007 الساعة: 14:39 م

بقلم: علاء الدين كوكش

ذكرني صديقي محمد منصور بقرب تاريخ مرور سنة على انطلاقة موقعي في مدونات مكتوب في 13 شباط، والذي كان لمحمد الفضل في إنشاءه وتصميمه وتبويبه…

أمسكت قلمي، وقررت أن أكتب كلمة لكم بهذه المناسبة… وربما لي أيضا!

-1-

أعود الآن بذاكرتي إلى ما أدعوه: الزمن الجميل …… زمن الأبيض والأسود ، ليس في لون التلفزيون فقط ….. وإنما في لون الحياة التي كنا نعيشها …….فقد كانت واضحة ومرئية…… وعندما طغت الألوان …. ضاع الوضوح، واختلطت الرؤية عندما أسرد بعض ذكرياتي على ابنتي سمر أحس بجمال تلك الأيام من خلال وجهها….. عيناها تنظران لي  بحب أكبر، وابتسامة شفافة توحي بالحنين الدافئ لتلك الأيام التي لم تعشها….. فقد كانت تقارن بين ما أحكيه وبين زمنها الذي عاشته حين درست في المعهد العالي للفنون المسرحية واشتغلت بعد ذلك في المسرح والتلفزيون والإذاعة …….

-2-

أعود إلى زمني…… حين قدمت أعمالي في بدايات التلفزيون، أوائل الستينات وحتى أواخر السبعينات، في الأبيض والأسود وأذكر أسماء بعضها: مذكرات حرامي، حارة القصر، أولاد بلدي، أسعد الوراق……. كان المسلسل يذاع أسبوعيا ولم يكن هناك فضائيات بعد……… كنا نعيش بعد بث الحلقة أسبوعا بكامله مع أحاديث الناس حول الحلقة ورأيهم فيها وتوقعاتهم للقادم من  الحلقات…… كنا نسعد بذلك ونستفيد منه….. كان المسلسل عندما يبدأ بثه لا يكون مسجلا منه سوى عدد من الحلقات ، وأثناء إذاعته كنا نتابع كتابة بقية الحلقات وإخراجها…….  لذا كان رأي الناس يدخل في عملنا ولو بشكل غير مباشر…..

-3-

كنا نستمتع بمشاهدة الحلقة أثناء بثها، ثم برنين الهاتف المتصل بعد الحلقة من أناس نعرفهم  وآخرين لا نعرفهم …. يهنئونا ويباركون لنا وأحيانا يبدون وجهة نظرهم ، ومعظم المكالمات تنتهي بسؤال يسعدنا: ماذا سيحدث في الحلقة القادمة، أو ماذا سيحدث لفلان أو فلانة…. وكنا نتهرب من الجواب كي لا نفقدهم التشويق….. ولكن مكالماتهم كانت تبث فينا نشوة تحلق بنا عاليا……

-4-

على مدى ثلاثة أشهر كان يذاع فيها المسلسل – كان المسلسل وقتها لا يزيد عن 13 حلقة -  كانت شخصيات المسلسل تنتقل إلى الحياة مع الناس في البيوت والأسواق والمقاهي، وكانت تكتسب دمها وحياتها من أفواه الناس على اختلاف أعمارهم وفئاتهم، كان الجميع يتساوون حين مشاهدة العمل…… وأذكر أن من العادات الجميلة وقتها حين يذاع المسلسل أن يذهب الناس الذين لا يملكون جهاز التلفزيون إلى جيرانهم الذين يملكون دون شعور بالحرج، كانوا يعتبرون ذلك من حقهم، وكان الذين يملكون الأجهزة يقرون بهذا الحق….. كان يولد هناك في البيوت ذات الأجهزة صالات سينمائية صغيرة، يتشارك جمهورها في متعة المشاهدة ثم في متعة النقاش بعد انتهاء الحلقة، وتستمر السهرة بعدها لساعات…..

-5-

أذكر أن إذاعة ما علقت على أحد المسلسلات بأن الناس الآن في سوريا مشغولون بمعرفة من هو قاتل أبو ممدوح في مسلسل حارة القصر…. وقبلها حين أذيع مسلسل: مذكرات حرامي، عاش الناس المسلسل وكأنه حقيقة واقعة أمامهم، واشتد الجدل بينهم حول النهاية المحيرة التي أنهينا بها العمل- وهذا له قصة أخرى قد أذكرها في مناسبة ثانية- وكان السؤال المطروح بعد أن مزق بطل العمل إضبارته الشخصية  ورماها في وجه المذيع وشتم التلفزيون ثم وقف مغادرا مكانه أمام دهشة المذيع والذي استمرت الكاميرا تصوره للحظات ثم انقطع الإرسال لتظهر بعد ثوان شارة المسلسل النهائية………. كان السؤال واحدا ولكن الأجوبة كانت تختلف: هل هذا الإنسان حرامي حقيقي كما ادعينا نحن وقدمناه في بداية المسلسل أم هو حرامي مزيف؟        

-6-

أذكر أنني بعد سنوات طويلة كنت مدعوا إلى سهرة في بيت أشخاص لا أعرفهم وما إن بدأت السهرة حتى طرح علي السؤال الذي كنت أستمتع به وأراوغ في الإجابة عنه …… يومها قررت أن أقول الحقيقة فأجبتهم بأن هذا الحرامي غير حقيقي والنهاية كانت مكتوبة ومرسومة بدقة …… ولدهشتي أتاني الجواب من أحد الحاضرين : لا يا أخي هذا حرامي إنت شو عرفك؟

واحتدم النقاش بينهم من جديد حول هويته وكل يستشهد بما شاهده في المسلسل ، ولم يعودوا يلتفتون لي…… ورغم دهشتي لعدم تصديقهم لي في موضوع كنت أنا المرجع الوحيد له ،إلا أنني كنت سعيدا ومستمتعا بنقاشهم……. لقد اكتسب المسلسل وشخوصه حياة مستقلة عني…..

-7-

 فقدنا هذه المتعة حين بدأ المسلسل يتمدد إلى ثلاثين حلقة ، وإذاعته تستغرق شهرا واحدا لأن حلقاته تذاع يوميا…… زمن الاستهلاك…. أعمالنا أصبحت مادة للاستهلاك الآني ومادة للإعلانات بعد أن انتشرت الفضائيات وكثرت….

ولكن ظهور الإنترنت ثم تحديدا ً ظهور المدونات أعاد لنا شيئا من متعة ذاك الزمن…… أدخل يوميا إلى الإنترنت بعد العصر وأول موقع أبدأ به مدونتي وأسرع لأقرأ التعليقات وأسعد بها وأستمتع …..

-8-

عندما كتبت انطباعاتي عن رحلة تايلاند – ماليزيا أرسلتها إلى الصديق محمد منصور، وقرر إنزال كل مقطع فيها على مدى أسبوع…….. صدقوني كنت مثلكم أنتظر قدوم يوم الخميس لأقرأ هذا المقطع ثم تعليقاتكم عليه ، سبع حلقات أسبوعية ذكرتني بزمن جميل أخرجت فيه مسلسل أسعد الوراق  وكان أيضا من سبع حلقات تذاع أسبوعيا ….. وانتهى بالصرخة الشهيرة  لمنى واصف: أسعااااااااااااد وتتبعها مباشرة أغنية " بيلبقلك شك الألماس "  وقد كتب عنها الكثير…… وقد ذكرتني بهذه الصرخة الأخت بسمة فتحي التي صرخت معلقة على القسم الأول من أوراق الرحلة: الله الله الله ……

….أذيع المسلسل عام 1975 وأعيد أكثر من مرة ولازال الناس يذكروني به …..

هذا هو الزمن الجميل الذي يعيش ويبقى ويستمر …….

 

     دمشق 5/2/2007

        علاء الدين كوكش

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أوراق خاصة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “أنا ومدونات مكتوب وعام جميل انقضى: التواصل المستعاد!”

  1. أبانا وأستاذنا العزيز علاء الدين كوكش تحية طيبة عطرة كتلك الأيام الجميلة الخالية .

    أذكر بعضا من تلك الأيام الجميلة عندما كنت صغيرا ولا أزال أشعر بالحنين الكبير لها

    نعم يا سيدي تلك الأيام كانت عزيزة بكل مافيها فمثلا كنت أدخل منزل جيراننا كل يوم كي أشاهد حلقات مسلسلي الكرتوني المفضل والذي كان يذاع عبر قناة الأردن كوننا لم نكن نملك هوائيا يمكننا من مشاهدة تلك المحطة وللعلم فانني مستعد حتى الآن لمتابعة ذاك المسلسل الكرتوني متى سنحت لي الفرصة وذلك يؤكد مدى غلاوة هذه الذكرى على قلبي.

    أعجبتني جدا طريقتك في سرد تلك الذكريات وأتمنى لو تأخذنا معك عبرها بشكل متزامن

    ولك جزيل الشكر و أتمنى لك دوام النجاح…

  2. عليم الله يا أستاذ علاء منور… والله صارت مدونات مكتوب غير نكهة بوجودك…. يعني أنا بفتخر وبقلهن لرفقاتي المصريين شوفو المخرجين عنا كيف مثقفين وبيعرفوا شو يحكوا… قال مصر أم الدنيا قال… خلص راحت عليهن وحياتك!

    والله أنا مالي متذكر مذكرات حرامي لأنني بصراحة كنت صغير… بس أبي الله يرحموا كان يقللي مرة جابوا حرامي بالتفلزيون وعملوا عنه مسلسل وفضحوا… ليش ماعادوا هالمسلسل مرة ثانية ما بعرف؟

    وألف شكر يا أستاذ علاء على مقالاتك الحلوة… أنا بقراها لأني بشتاق للشام ولزمن الأبيض الأسود مثلك… وعليم الله إذا بدي اكتب كل شي رح يطلع معي جريدة… وماحول التعليق يطلع جريدة… لأنه غنت عندك كل كلمة محسوبة ماشالله حولك… والله يمد بعمرك

    مغترب سوري- الإمارات

  3. بابا

    هي أول مرة بكتبلك تعليق

    مابعرف ليش ؟ ياترى!

    لأنك ذكرت اسمي ؟

    أو يمكن لأنو زوجي قلي مابدك تكتبي تعليق ؟ أنا بدي أكتب لأني حبيت الكتابات كتير .

    (وكان متحمس…………. وكنت مترددة أو حتى عاجزة عبرلك عن رأيي )

    استنيت لناموا كلهم واختليت معك بعالمك يلي بينسيني واقعنا ( زمن الألوان )

    كانت عيوني تدمع لما اقرأ شي أنت كاتبه بس كنت أبكي لما اقرأ التعليقات

    يمكن هالشي خلاني اكتبلك

    لقلك

    سامحني تأخرت لعبرلك عن رأيي قدام الناس يلي حبوك وحسيت بالغيرة منهم

    كنت أكتفي بكلمة حلو من خلال التليفون

    ( للأسف زمن الاستهلاك أخرني……… )

    ولقلك

    أنا معجبة وفخورة بكل كلمة بتكتبها وبشكر الله أنك أنت أبي

    ولقلك

    بحبك بابا كتير

    ………………………………………….. و شكراً محمد منصور

  4. أنا آسفة اني انقطعت على الأنترنت… أو هو يمكن انقطع عني وحرمني متابعة كلماتك الحلوة اللي رجعت قريتها كلياتها من يوم أمس

    كل عام وانت بخير يا أستاذ علاء… مدونتك منارة أمل ومعرفة وثقافة… بنحتفل فيها كلنا لأنه بتعلمنا إشيا كثيرة

    وكلماتك يا فنانة سمر… بتعبر عنك وعن إحساسك المرهف… كلماتك كأنها وردة شامية… هو الورد الشامي عندكو مشهور كتير ورقيق كتير وياسلام على الأب والبنت والله يسعدكو

  5. ذكريات رائعة… وزمن جميل فعلا يا أستاذ علاء رغم أننا لم نعيشه معك… لكن يكفي أننا نعيشه في مدونتك الرائعة الآن…. مع كلماتك التي تضيء في ليلنا الطويل وصحراؤنا القفراء

    فائق الاحرتام لإبداعك… وتحياتنا لابنتك سمر أيضا وكلماتها الرائعة

  6. يبدو زمانا رح يخلينا دائما نعتذر عن التأخير بس ماممكن ينسينا الناس اللي حبيناهم كتير وما ممكن ننساهم فأنتم النقاء والصفاء في عصر لم يخترع له بعد فلاتر خاصة بتنقية البشر … بشكر الموقع اللي صفى القلوب … رح تضل المثل العظيم للنقاء ياأحلى أبو سمر…وتيم.. محمد وقاف

  7. المحترم الأستاذ علاء الدين كوكش

    منذ أيام فقط رغم قدم وجودي على الانترنت أسست مدونتي شامليات تيمناً بموقعنا الشامل للفلك والتنجيم

    وكنت سعيداً جداً أن وجدت مدونتكم وأعادتني بالذكرى لزمن الأبيض والأسود والتي تذكرني ببساطة وجوهر النور

    فكل بسيط هو جوهر وكل مركب هو عرض وكل جوهر يبقى وكل عرض زائل

    سيدي الكريم أتذكر في بداية الثمانينات وكنت في بداية مرحلتي الإعدادية وعند عرض مسلسل الأميرة الشماء وما لاقاه من نجاح حين ذلك فقد جمعت ثلاثة من أصدقائي وكتبنا لكم رسالة طلبنا فيها من حضرتكم أن تتبنوا اقتراحاً لنا لإنتاج مسلسل يتحدث عن المغامرين الخمسة (للكاتب محمود سالم) وإنتاجها بحلة سورية باللهجة والأحداث واتفقنا آنذاك على صغر سننا وحداثتنا وبراءتنا أن نكتب ونزيد ونحذف بالحلقات ولم نكن نعرف شيء عما يسمى السيناريو وغير ذلك

    وخبأت الرسالة في البيت تمهيداً لإرسالها لكم في الأيام التالية ولكن سوء طالعي ألقى الرسالة في يد أهلي وأصبحت مادة لفكاهتهم لشهر تلى الحادثة وتألمت كثيراً على ذلك ومع أنهم في نهاية المطاف شجعوني وقالوا أرسلها للأستاذ علاء الدين إلا أني قمت بإعدام الرسالة وهو الفعل الذي مازلت أندم عليه وربما رداً على ذلك فاني أحتفظ اليوم بكل خربشات أطفالي

    أستاذنا الكريم كلامك عن البساطة والبراءة وزمن الأبيض والأسود ذكرني ببراءة الطفولة وصفائها وصدقها

    أدعو لكم بدوام الصحة والعافية والنجاح

    الفلكي المهندس حسان الصالح

  8. الأستاذ علاء الدين كوكش

    ابتعدت فترة عن المدونات، أعود لأجد موضوعك عن عام من التدوين.

    كنت أقرأ بفرح، حتى صارت عيني بفرحة عين ابنتك، وذلك الحنين لتلك الأيام التي لم أجربها، وأراها بكلمات والديّ.

    حين وصلت آخر مقالتك وقرأت اسمي، وجدتني:” أردد هذه أنا هذه أنا” كانت سعادتي لا توصف، فحقَّ لي الرقص يومها.

    أشكرك جزيل الشكر على هذه الروائع التي تتحفنا بها، وكم أشتاق فعلا لزاوية “حين أستريح ككاتب ومخرج بين دفتي كتاب” فلا تحرمنا من هذه الاستراحات والإضاءات.

    وكم سيسعدني زيارتك لمدونتي المتواضعة

    كما وأشكر مدونات مكتوب، أن جعلتنا نقرأ للأستاذ علاء الدين كوكش

    دمتَ بود عظيم

    بسمة



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر