عن (مسرحيات ضاحكة)-4 قراءة في مسرحيات علاء الدين كوكش
كتبهاعلاء الدين كوكش ، في 28 شباط 2006 الساعة: 23:12 م

بقلم: أُبي حسن
يتجه شيخ المخرجين السوريين علاء الدين كوكش، بعد تجربته الإخراجية في المسرح والتلفزيون، التي يمتد عمرها إلى أكثر من أربعة عقود، إلى كتابة المسرح، بتقنية محترف ووعي مثقف ملتزم، غير منحاز إلا إلى الأجمل والأنقى و(الأسخن) وأقصد بالأسخن هذه… تسليطه الضوء على الموجع من أمراضنا فيما كتب… وقد تكون في مقدمتها الأمراض السياسية التي تعاني من وطأتها مجتمعاتنا العربية، مضافا إلى ما سبق حديث الساعة، وأعني العولمة… إذ لا بخل كوكش بالاستفاضة وهو يعالجها من زاويته (الخاصة) وعلى طريقته (الخاصة) رابطا قلة الإدراك والفهم عند من بيدهم الحل والربط في الشأن العام، للعولمة، بالنفاق السياسي السائد، وسط جو من الفساد الناجم عن البيروقراطية، بحيث تصبح السلطة وسوء استخدام السلطة مفسدة (ص20) يقابل ذلك كله تغييب الطرف الآخر من المعادلة، وهو الشعب الذي لم ينعم بحرية الاختيار والتعبير عن الرأي بعد، وإن خير فلن يعرف ماذا يختار، كونه اعتاد أن يساق كيفما تريد الجهة الموجهة (ص21) التي هي الخصم والحكم!
يتجلى ما ذكرته سابقا، في مسرحيته الأولى (مطلوب راعي بقر) التي تبدأ بإعلان المحافظ لزوجته عن قدوم متوقع لوفد أمريكي، يضم رجال أعمال وعالمة اجتماع إلى البلدة، لدراسة أوضاعها، و ذلك لوضع خطة تنفيذية لعولمتها (ص11)
هذه المباشرة في الدخول إلى فكرة المسرحية وجوها، لا تصدمنا من حيث المباشرة عند المؤلف، بقدر ما تدل على ثقة الكاتب بنفسه… وفي هذه المسرحية بالذات يُقدم على لعبة غاية في الأهمية، فمبنتهى الشجاعة الشخصية والفنية يعري الأنظمة العربية شر تعرية، وذلك من خلال الازدواجية المتناقضة لبعض الحكام، فكما وهبهم الله فحولة وذكورة يمارسونها على شعوبهم، كذلك وهبهم أنوثة طاغية يسيل لها لعاب الفحولة الأمريكية.
وترى ذلك الإسقاط المخيف والمذهل فنيا بإخضاع المحافظ (مرآة الأنظمة العربية) إلى عملية جراحية، يفقد إثرها عضوه ا لذكري، ويوضع له بديل.. واللافت أن هذه الأنوثة تأخذ موقعها في قلب الأمريكان. وكأني بكوكش يقول إن ما تملكه بعض الأنظمة العربية، من وسائل ترهيب وتعذيب، تمارسها على شعوبها، يجعل من ظاهرها جباراً قوياً، لكنها ضعيفة هشة من داخلها، لأنها تفتقد الوسائل الحضارية التي تؤسس بمقتضاها علاقة صحية بين الحاكم والمحكوم.
إن فقدان الوسائل الحضارية، مصحوباً بالتجبر الظاهر على الشعوب هو الأنوثة التي تبحث عنها أمريكا، لا بل تريدها وتحافظ عليها، وهذا بالتالي ما جعلنا نرى المحافظ (مرآة الأنظمة العربية) رجلا من فوق، إمرأة من تحت. أما ما يخص العولمة، وما الذي تبتغيه أمريكا من وراء هيمنتها علينا نحن العرب، من بعد إحكام قبضة عولمتها، فبرأي كوكش أن المطلوب منا أمريكياً أن نكون رعاة بقر في المرحلة القادمة لمن كانوا رعاة بقر (ص 68)
مسرحيته الثانية (المشاغبون) يكشف القناع عن زيف الديمقراطية الأمريكية، وإلى أي مدى يصل الخبث السياسي الأمريكي، في سبيل الهيمنة على كل مكان في العالم، ترى فيه مصلحة لها، مضحية في سبيل هيمنتها هذه بالإنسان الأمريكي ذاته، ورغم ذلك لا تكف عن الادعاء بأنها المدافع الأول عن حقوق الإنسان!!
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى مسرحيته (الديمقراطية لا تصلح) وهي عبارة عن نتيجة حتمية للعلاقة بين المثقف العربي وسلطته، التي بقيت مريضة ردحاً طويلا من الزمن، خصوصاً في ظل الأنظمة الشمولية. فأستاذ الجامعة الذي يُسجن عشر سنوات فقط، بقوله في حاضرة أمام طلابه في كلية الحقوق: لا حل لمشاكل هذا البلد، إلا بتطبيق الديمقراطية تطبيقاً حقيقياً (ص 128) في الذي تتهمه السلطة بالتعامل والتعاون مع حزبين متناقضين، هما الحزب الشيوعي وحزب الأخوان المسلمين (!) وهذا الاتهام التناقض، بالإضافة إلى تاريخ طويل من عدم الثقة المتبادلة ما بين طرفي المعادلة (مثقف- سلطة) يدفعان بالمثقف إلى عدم الخروج من السجن.. وبإرادته!
ويجسد عدم الثقة هذه (الحاجب وصوته) الذي يبقى محفورا في أذني المثقف السجين، خصوصاً عندما يقول له: ما رأيت أحدا من الذين دخلوا هذا المكتب (مكتب مدير الأمن) قد خرج منه (ص 121) لأجل ذلك لا يتردد الحاجب عن تقديم نصيحته وتكرارها للسجين المثقف، بعدم تغيير اعترافاته المسجلة لدى الأمن (ص125) وما أدرى السجين أن الحكومة جادة هذه المرة في طرحها للديمقراطية، وهو الذي سُجن ما سُجن لأجل المطالبة بها!
ورغم اعتراف الحكومة بتعسفها وظلمها، أحيانا بطريقة غير مباشرة، كإصدارها أوامر تطبيق الديمقراطية، وبإطلاق سراح سجناء الرأي والانتماءات السياسية والفكرية المغايرة (ص126) وأحيانا بطريقة مباشرة… كقول مدير المن للمثقف السجين: نحن نعرف أن اعترافاتك تمت تحت الإكراه والتعذيب (ص126) أقول رغم الاعتراف المتأخر من الحكومة، إلا أن الكفة ترجح لصالح الحاجب وصوته (عدم الثقة) الأمر ا لذي يدفع بالمثقف إلى عدم تصديق تلك الوعود، وتفضيله البقاء في السجن… وكي يضمن لنفسه ما يريد، يشتم مدير الأمن والحكومة، مما يدفع بمدير الأمن إلى القول: قلنا لهم إن الديمقراطية لا تصلح لشعبنا قلم يصدقونا.. وهذه هي النتيجة: لقد جُن الرجل.. قال الديمقراطية.. قال (ص134)
أما مسرحية (بعض ما جرى للمواطن ضاد) فهي باختصار فانتازيا مسرحية، إن جازت التسمية.. يحاول كوكش من خلالها أن يجري دراسة نفسية لرجال الأمن، وذلك من خلال تماهي شخصوهم مع طبيعة عملهم فلا يعودون يميزون بين الواقع واللا واقع، المنطقي واللا منطقي، لإلى أن يصل الأمر بأحدهم أن يشك بعمالة ابنه، وهذا حسن، لو لم يكن الابن ما زال جنينا في بطن أمه!
وحول طبيعة مسرح كوكش يقول الأديب عادل أبو شنب: لا يتعاطى كوكش مع مسرح التحاور الجدلي، أو مسرح الدراما التقليدية، أو مسرح التراجيديا، بل يتعاطى مع المسرح الأصعب إطلاقاً، وهو مسرح الكوميديا السوداء، المشحونة بسخرية، ميزها أنها سخرية علاء هو بالذات.
أخيراً: المسرحيات حمالة أوجه.. إذ تُقرأ بأكثر من وجه، ويبقى أني كتبت انطباعي؛ إذ سجلت قناعتي فيما قرأت وبما استمتعت، سواء وافقني الصديق علاء قناعتي، أو خالفني هو أو غيره!
ويبقى لي ملاحظة حول عنوان الغلاف، إذ كنت أحبذ لو ان الناشر (دار اسكنرون) اختار عنوانا رئيساً: مسرحيات هادفة.. بدل مسرحيات ضاحكة!
المصدر: جريدة (النور) العدد59- 10/7/2002
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : في مرآة النقد | السمات:في مرآة النقد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























