تايلاند وماليزيا.. أوارق وانطباعات الرحلة(7): خيم علينا الصمت وكأن الغروب ذكرنا بأن لكل شيء نهاية!

كتبهاعلاء الدين كوكش ، في 18 كانون الثاني 2007 الساعة: 05:54 ص

بقلم: علاء الدين كوكش

 

  في الحلقة الأخيرة من سلسلة أوراقه عن رحلته إلى تايدلاند وماليزيا… يخيم الأسى على المخرج علاء الدين كوكش لأن الرحلة قد وصلت إلى نهايتها… والمعروف أن الأستاذ علاء، يحمل سمة الدمشقيين الأصليين في الدماثة وطيب المعشر..  وهو يمد جسور الألفة مع كل ما حوله بذكاء وبساطة وعمق، حتى لينطبق عليه قول المتنبي: ُخلقتُ ألوفاً لو ُرددتُ إلى الصبا  لودعتُ  شيبي دامع القلب باكيا!

لكن نهاية الرحلة حفلت بالمقابل بكثير من التفاصيل والوقائع الحميمة، التي نتوقف معها، في إطلالة أخيرة… كان الأستاذ علاء في كل حلقاتها، كاتب أدب رحلات من طراز معاصر بعيد عن التكلف والافتعال في الرؤية والوصف والإحساس.

(محرر الموقع)   

  [معترضة: أقتطف هذه الجملة من كتاب كنت أقرأ فيه مؤخرا: "السفر هو فن اللقاء، وفي النهاية فن لقاء الإنسان مع نفسه" أعتقد أن في هذه العبارة كثيرا من المعا ني، وشيئا من الحقيقة... أعود إلى رحلتنا]

* * *

اليوم التاسع: الثلاثاء: 31 تشرين الأول (تتمة)

   -1-

كما سبق وقلت توقفنا في استراحة مزارع الشاي وشربنا الشاي في شرفة واسعة ،تطل على هذه المزارع التي تمتد حتى الوادي ……  تابعنا بعدها السير صعودا إلى الجبال… في الثالثة ظهرا توقفنا في بلدة صغيرة، أعطينا فيها استراحة لمدة  ساعة ونصف، تجولنا فيها وتغذينا في مطعم صيني صغير، سمك ورز على الطريقة الصينية، وكللت مغامرتنا هذه المرة بالنجاح… فقد كان الأكل لذيذ…

-2-

تابعنا طريقنا إلى قمة جبل حيث أقيم هناك منتجع وفندق (إكواتوريال) وحوله العديد من الشاليهات…… أذكر تماما أننا عندما وصلنا غرفتنا وفتحنا باب الشرفة المطلة على الجبال والوديان ، ذهلنا ولم نصدق ما تراه أعيننا ….كانت قطع كثيرة من الغيوم تسبح بمحاذاة فندقنا وأسفله …وكان وقت غروب الشمس….. استطعنا أن نصور أنفسنا مع هذه المناظر الجميلة، ولكننا لن نستطيع أبدا تصوير مشاعرنا ووصفها كما شعرنا بها وقتها… لقد كنا بتماس مباشر مع الطبيعة والسماء….. يرافقها سيمفونية من الألوان المبهجة والجليلة بنفس الوقت، وأيضا يرافقها تنويعات من الصمت الآسر الذي يتغلغل إلى أعماق روحك… مهما وصلكم من هذا الوصف فهو لن يكون إلا جزءا بسيطا من الشعور الذي ملأنا….. وامتلأنا به….

-3-

تعشينا في مطعم الفندق عشاء ماليزيا وكان معقولا، كان العشاء ضمن برنامج الرحلة….. جلسنا بعد العشاء في شرفة الفندق المسقوفة ولكنها كانت مفتوحة تجاه الأمطار التي أخذت تهطل بشدة والبرق والرعد يحيطان بنا، والطقس دافئ عذب… أمسية جميلة، حافظت على جلالها وجمالها منذ أن وصلنا……… وحين صعدنا إلى غرفنا كنا ننتزع أنفسنا انتزاعا….

 

اليوم العاشر: الأربعاء 1 تشرين الثاني –  جزيرة بينانغ- ماليزيا

-1-

كان الإيقاظ في السابعة، وضبنا حقائبنا، أتى عامل الفندق في الثامنة  وأخذ الحقائب مع "3" رينجيت. أفطرنا في المطعم "بوفيه" وكان غنيا…

غادرنا الفندق في التاسعة والنصف، تأخرنا بسبب نسيان أحدهم لجاكيتته في الغرفة…

-2-

كان الطريق ممتعا من جبال الكاميرون إلى جزيرة بينانغ . توقفنا في استراحة جميلة شربنا بها قهوة واشترينا فواكه غريبة….. كانوا يقدمون لنا عينات من أي فاكهة نختارها لنذوقها ، ودائما مع الابتسامة اللطيفة…

-3-

مررنا على جسر بينانغ وهو يربط ماليزيا بالجزيرة وطوله "14" كيلومتر… أسمع شهقتكم فلقد شهقنا قبلكم عدة شهقات، بدأت من أول الجسر وانتهت بآخره….. بني الجسر قبل مدة، وهم في طريقهم - كما قالت لنا الدليلة – لبناء جسر آخر… لن أعلق على ذلك فالصمت خير من الكلام ، ولكني أذكر تعبيرا شعبيا بالقول والحركة، حين يريد رجل أو امرأة التحسر على حالهم، أن يوجه باطن يده إلى وجهه فاردا أصابع كفه وهو يعلق: (هه… ولي على قامتنا…)، وإذا كانت الحسرة شديدة فقد يلصق كفه بوجهه وكأنما يلطم وجهه…. أذكر هذا من قبيل التداعي وليس من قبيل التعليق……

-4-

وصلنا في الثالثة إلى فندق" بارادايس" وترجمتها الفردوس…. وهو يطل مباشرة على البحر…. وضعنا حقائبنا واتجهنا إلى مطعم مقابل للفندق، أكلنا فيه سمك وقريدس على الطريقة الصينية… عدنا إلى الفندق ونمنا لأول مرة ظهرا…..  فقد كان بقية اليوم حرا…

-5-

نزلنا في السابعة إلى مول (غيرني بلازا) وقد أخذ التاكسي "12" رينجيت، وكما قالوا لنا: هنا التاكسيات تعمل بدون عداد وعلى مبدأ المفاصلة، بالمناسبة الطرقات هنا والسيارات – في ماليزيا وفي تايلاند أيضا- تمشي على الطريقة الإنجليزية… السائق إلى اليمين، وهذا يتطلب زيادة في الحذر بالنسبة لنا عند عبور أي شارع .كان المول كبيرا وفخما، يتكون من عدة طوابق…

 توقفنا عند رسام صيني في بهو الطابق الأرضي….. كان يضع حوله نماذج للوحات أسطورية، قالوا لنا إنها تجلب الحظ بحسب معتقداتهم….

 طلبت منه رسم لوحة لابني "تيم" (1) فاقترح علي رسما للتنين والعنقاء، فهي جالبة الحظ لتيم وبيته….. بدأ رسمها بالحبر الصيني، وكان يرسم بجانب كفه وبباطن يده، يتلاعب بنقطة الحبر على الورق، مغيرا شكلها باستمرار… وعندما تتخيل شكلا محددا ترى يده وقد غيرت ملامح هذا الشكل لتخلق شكلا آخر…. وبدأ الناس بالتجمع حولنا لمراقبة الرسام الساحر… كان يستخدم أحيانا أصابعه وأحيانا ريشة رفيعة، ثم كتب بأعلى زاوية اللوحة اسم" تيم" باللغات الثلاث: الصينية والإنكليزية والعربية…. والطريف أنني كتبت له الاسم بالعربية ولكن عندما كتبه بدأ من أسفل حرف الميم وانتهى بحرف التاء… ثم ختم اللوحة بأختام مختلفة بالحبر الأحمر……

أعجبتني اللوحة ودفعت له زيادة عن المبلغ المقرر، رفض أن يأخذ الزيادة، وأخذ المبلغ المتفق عليه "128" رينجيت…. صفق له الناس كما صفقنا له أيضا وشكرته، علمني أحدهم أن أقول له ( تشي تشي)…. قلت له ذلك فرد علي منحنيا بوجهه وضاما كفيه لهما.. كانت لحظة بهجة وسعادة ضمت الجميع…

-6-

بعد الجولة المنهكة في طوابق المول، جلسنا في مطعم من سلسلة المطاعم التي تتوزع على أرصفة المول… تعشينا عشاء خفيفا - خبز بالثوم وكاليماري-  كانت الأمطار تهطل بشدة ، وبدأت المظلات تسرب بعض الماء…. فاضطررنا إلى اللجوء لداخل المطعم…. أصبحنا نستمتع  بالأمطار أين وكيفما هطلت بعد أن صارت شحيحة في بلادنا…..

عدنا بالتاكسي إلى الفندق، صعدنا مباشرة إلى غرفنا ونمنا في الثانية عشرة والربع، بدأت تنتابني مسحة من الأسى…. فقد بدأ العد التنازلي للرحلة….

اليوم الحادي عشر: الخميس 2 تشرين الثاني- جزيرة بينانغ- ماليزيا

-1-

كان الإيقاظ في السابعة، أفطرنا في مطعم الفندق، لم تكن القهوة جيدة فصعدنا إلى غرفتنا وشربنا نسكا فه، وللعلم إن كل فندق نزلنا فيه حتى الآن يضعون لك في الغرفة إبريق سخان ماء كهربائي مع مجموعة متنوعة من ظروف الشاي والنسكافه والسكر وهي مجانا مع زجاجة ماء واحدة لكل شخص…

   -2-

غادرنا في التاسعة باتجاه حديقة الأوركيد، ثم توجهنا إلى معبد بوذي صيني وأخذنا فيه صورة فوتوغرافية  يعطونك إياها مباشرة ب"15" رينجيت مع الابتسامة….. أكملنا بعدها إلى معبد بوذي هندي، قالت لنا الدليلة إن كثيرا من الهنود الآن يتجهون إلى البوذية لأنها لا تعترف بالطبقية  التي تكرسها الهندوسية، التي تقسم المجتمع إلى ثلاث طبقات: غنية ومتوسطة وفقيرة، ويمنع التزاوج والاختلاط فيما بينهم…

 -3-

اتجهنا بعدها إلى مول كبير للتسوق، أعطينا فيه ساعتين… قضينا أقل من ساعة في الفرجة والتسوق، والساعة الأخرى في البحث عن المخرج…..  فقد كان له أكثر من مخرج ، وكنا نبحث عن المخرج المتفق عليه للتجمع من جديد مع المجموعة…. وهنا تظهر مشكلة اللغة، فنحن نتحدث الإنكليزية والذين كنا نسألهم لا يعرفونها…. فاضطررنا إلى استخدام اللغة البدائية التي تتقنها كل مخلوقات الله، لغة الإشارات بالأيدي والرأس وبقية الجسم، مع أصوات تولد لساعتها ولا أحد يعرف معناها…..

حين وصلنا إلى المخرج كان قد بقي ربع ساعة… ولكننا فضلنا الالتصاق فيه خوفا من الضياع مرة ثانية….

-4-

عدنا إلى الفندق وارتحنا فيه حوالي الساعة ثم انطلقت مجموعة منا بميكرويين على حسابنا باتجاه مرتفعات (نوتنغ هيل)… قطعنا التذاكر… انتظرنا دورنا، الصعود إليها في عربات مائلة تجرها حبال أرضية إلى الأعلى، ونتوقف في منتصف الطريق لنأخذ عربة أخرى للمرحلة الثانية والنهائية باتجاه القمة….

وتمر العربة بنفق محفور داخل الجبل، مضاء ومشع….

-5-

في القمة هناك حدائق وبينها طرقات تتوزع فيها مطاعم ومحلات بالإضافة إلى مسجد ومعبد بوذي… بدأت الأمطار في الهطول بشكل ناعم، وكانت زميلة في الرحلة ترتدي الغطاء ومعها مظلة، وأنا لم أكن أرتدي القبعة، فتطوعت وقدمت لي مظلتها، في البداية أحرجت منها ولكنها أصرت وحلفت يمينا أن أستظل بها فهي ترتدي الغطاء الذي يحمي رأسها من البلل ….لن تصدقوا كم شعرت بالامتنان لهذه اللفتة…. كان شعورا حقيقيا بالأخوة…  ليس مثل الرفقة في السفر في توليدها لمثل هذه المشاعر….  ذكرها الله بالخير…..

-6-

غابت الشمس ونحن في القمة، نتأمل جزيرة بينانغ كلها….  وخيم علينا الصمت وكأن الغروب كان يذكرنا بأن لكل شيء نهاية…..وأن رحلتنا شارفت على الانتهاء… وتذكرت قول أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس:

         لكل شيء إذا ما تم نقصان    فلا يغر بطيب العيش إنسان 

-7-

أفضل أن أتوقف هنا وأختصر ما تبقى من الرحلة… فقد عدنا في اليوم التالي الجمعة، بطائرة الهيب هوب إلى بانكوك… ثم ومنها إلى دمشق وفي قلوبنا حسرة أن هذه الأيام مرت مثل لمح البصر……

-8-

لقد كنت سعيدا بكتابة هذه الأوراق والانطباعات، فلقد كانت تنعش ذاكرتي وتجددها….  وتجعلني أستعيد شيئا من السعادة والمتعة التي أحسسنا بها خلال تلك الرحلة.

أنا مدين بالشكر لصديقي محمد منصور الذي شجعني في البداية على الكتابة واستمر بتشجيعي خلال كتابة هذه الأوراق التي كان يطلع عليها أولا بأول…..  والشكر أيضا للذين قرءوا هذه الأوراق وشجعوني، بتعليقاتهم الجميلة، على الاستمرار في الكتابة…….

 

دمشق 6/12/2006                 علاء الدين كوكش 

(1) تيم: عمره اليوم ثلاثة أعوام تقريبا، وهو الابن الوحيد للمخرج علاء الدين كوكش من زوجته المغربية السيدة (فاطيما) وقد عرف الأستاذ علاء  لفترة طويلة باسم (ابو سمر) نسبة إلى ابنته سمر من زوجته الراحلة الفنانة ملك سكر (المحرر)  

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رحلاتـــي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “تايلاند وماليزيا.. أوارق وانطباعات الرحلة(7): خيم علينا الصمت وكأن الغروب ذكرنا بأن لكل شيء نهاية!”

  1. صالح علم الدين- مرسيليا قال:

    أنا كنت أراقب حلقاتك يا أستاذ علاء… وأتابعها باهتمام، لأنني سبق أن سافرت إلى ماليزيا، لكنني بالطبع لم اكتب مثل هذه اليوميات الجميلة… إن كتاباتك جعلتني أستعيد تفاصيل رحلتي من جديد…. يعني صرت أشوف إشي مر عليي بس ما كنت شايفه مليح

    قد يكون السبب أنك مخرج، ترى بعينك ما يكون عابرا للأخرين…

    مشكلة إغراءات التسوق التي تحدثت عنها، حدثت معي كثيرا، كننت أظن أن المشكلة فيني.. لكن الصيحي انها (غباء سياحي) كماقلت أنت تماما. مظاهر التقدم التي تجعلنا نرى تخلفنا… كنت أشترك معك في مقارنتها لكن أنت كنت بارعا في المقارنة، بين جوهر التقدم الذي يجعلهم يقفزون إلى الأمام… وبين روح التخلف التي تشدنا إلى الخلف، أو تجعلنا نراوح في المكان.

    أنا سررت بما كتبته، تخيلتك مثل الذي يحمل قنديل، ويعيد إضاءة تفاصيل الرحلة نفسها في ذاكرتي… واتمنى أن تزور بلدانا أخرى أنا زرتها، لتكتب لنا عنها من جديد… وأقرأ ما كتبته باعتبارك دليلا ثقافيا ودليلا إنسانيا وليس سياحيا

  2. ” لن تصدقوا كم شعرت بالامتنان لهذه اللفتة…. كان شعورا حقيقيا بالأخوة… ليس مثل الرفقة في السفر في توليدها لمثل هذه المشاعر ”

    مذكراتك درس في آداب السفر ومعانيه الراقية

  3. عبد الحي الفاسي قال:

    الأستاذ علاء متزوج من مغربية… يعني بقينا أنسباء… الله يبارك!

  4. رحلة رائعة… وإحساس أروع!

  5. مهاب العيسى-حمص قال:

    (تشي… تشي) أستاذ علاء! كتثير (تشي…تشي) على هالسلسلة الجميلة!



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر