عن (مسرحيات ضاحكة) لعلاء الدين كوكش-1: متمرد على أبواب الستين!!

كتبهاعلاء الدين كوكش ، في 14 شباط 2006 الساعة: 07:46 ص

بقلم: محمد منصور

لم أجد صعوبة في بناء علاقة صداقة متينة مع الأستاذ علاء الدين كوكش منذ بداية تعرفي الشخصي إليه لدى دخولي الوسط الفني والثقافي – كصحفي -  في مطلع التسعينيات .. فرغم السنوات الطويلة التي تفصل بيننا، وتجعل كل واحد منا ينتمي إلى جيل مختلف عن الآخر  فقد بدا علاء الدين كوكش   في علاقاته الشخصية القائمة على احترام الأفكار وديمقراطية الرؤى، ينتمي إلى كل الأجيال حقا!

أسوق هذا المدخل لأقول إن علاء الدين كوكش الصديق، والإنسان المحب الودود، الذي يعرف كيف يمد الجسور لكل الأجيال باحثا عن المضيء والحقيقي في التواصل معها، هو نفسه الكاتب المسرحي الذي ينتمي إلى كل الأجيال كما نقرأه في المسرحيات التي كان نشرها في كتاب حلما من أحلامه.. آمل أنه تحقق الآن!

في مسرحيات علاء الدين كوكش التي اختار لها الناشر اسما تجاريا هو (مسرحيات ضاحكة) والتي  كتب معظمها في سنوات التسعينيات ومطلع العام 2000، نحن أمام صيغة من المسرح السياسي الذي يغوص في ظاهرة العلاقة بين الفرد والسلطة بعمق، ويقبض على ناصية المفارقة التي تصوغ مفردات هذه العلاقة وآليتها المتحجرة في الغالب، بجرأة وقوة عبر بنية مسرحية متينة، لا تقوم على القفشات اللفظية العابرة كما هو الحال في كثير مما قدم في مجال المسرح السياسي، وإنما على حبكة كوميدية سوداء تتصاعد مفاجآتها تبعا لآلية الكشف التي تحفر في العمق لتصل إلى الجوهري والإنساني الذي يظهر بواطن الخلل، ويعري مرتكبيه، لا بصفتهم الشخصية أو الوظيفية، وإنما بانتمائهم لآلية عمل، وإيمانهم بنمط تفكير يصح القول فيه: (من فمك أدينك !!)

هكذا تتعرى مثلا، كل تناقضات الديمقراطية كأزمة تفكير وسلوك وممارسة في العالم العربي في مسرحيتي (بعض ما جرى للمواطن ضاد) و (الديمقراطية لا تصلح!!) وهكذا أيضا نتلمس كل الشروخ والتصدعات الحقيقية في معنى الهوية كما تجسدها أنظمة دول العالم الثالث وهي تنجرف في تيار العولمة في مسرحيتي (مطلوب راعي بقر) و (المشاغبون) حيث العولمة مجموعة من الأوهام الاقتصادية التي تهدد الإنسان في هويته ووطنه وحتى علاقاته العاطفية، وهي من زاوية أخرى: مشروع عالمي مضاد لمفهوم العدالة ودلالاتها الإنسانية التي تؤكد على احترام حقوق الأفراد والمجتمعات معا !

وعلاء الدين كوكش الذي يبدو كاتبا مسرحيا معاصرا كل المعاصرة، يختار موضوعات مسرحياته من واقع جديد يفرض نفسه علينا وعلى العالم، فهو يخوض في موضوعات ما زالت مدار بحث وتأويل، ويقدم معالجة درامية لها قبل أن تتحول إلى ما يشبه (الموضة) على الصعيد الدرامي.. وتلك ميزة لا تحسب له ولهذه النصوص وحسب، بل تؤكد حرارة الإحساس بنبض الحياة المعاشة كما خبرها مخرج تلفزيوني ومسرحي مخضرم لم يتقوقع في الماضي، وإنما ظل أمينا لعصره ولكل التناقضات التي يحفل بها هذا العصر!

إن تلمس القضايا الراهنة التي تطرح نفسها علينا في الزمان أو المكان الذي ننتمي إليه، هي ميزة كل كتابة جيدة، وهي سمة أي كاتب يرى في الكتابة وسيلة تعبير حقيقة عن الذات تجاه العالم، لكن علاء الدين كوكش الذي يقف على أبواب الستين من العمر اليوم، لا يتحلى بهذه الميزة في مسرحياته  وحسب، بل يضيف إليه فضيلة التمرد وهو في مثل هذه السن، فهو هنا كاتب متمرد عن أصالة واقتناع، والتمرد الذي نلمسه في نصوصه، ليس نتاج رؤية شباب نزق وحالم يريد تغيير العالم على هواه كما يحلو لنا أن نفكر ونحن في مقتبل العمر،  بل هو خلاصة حكمة حياة بنت رؤاها على الصدق، ولأنها كذلك فهي ترفض أن تكون طيعة ومستسلمة ومدجنة، على حساب ذلك التمرد الأصيل الساخر الذي يكشف ويعري، ويعبث بالأقنعة وهي تتساقط واحدة تلو الأخرى مع كل فصل جديد من فصول   هذه المسرحيات المشاغبة التي تشكل في مجملها بانوراما حية لهواجس كاتب واحد، بأسلوبية واحدة،  ترسم خيوطها الخفية المتصلة في عمق المشهد العام من دون أن تتكرر! 

لا أريد أن أسهب في تقريظ  هذه المسرحيات التي يمكن أن يكتشف القارئ قيمتها الحقيقية بسهولة، كما يمكن لأي ناقد أن يرى فيها خلاف ما رأيت..  لكنني أريد أؤكد على الأفكار اللماحة المبتكرة التي تقوم عليها الحبكات الدرامية لهذه المسرحيات، إذ تبدو قوة الفكرةفي مسرحيتي (بعض ما جرى للمواطن ضاد) و(مطلوب راعي بقر) أول ما يجول في البال حين ننتهي من قراءتهما.. ورغم التفاوت في أجواء الأعمال الأربعة وفي درجة حرارة الحوار في كل منها، فإن سلاسة البنية المشهدية، ورشاقة الإيقاع، وبساطة القماشة اللغوية التي صيغ منها الحوار ليعبر من دون ثرثرة ، ويوحي من دون فخامة تزيينية… وذلك الملمس الحياتي المتدفق لمعظم شخوص هذه المسرحيات.. كل هذه المميزات تجعل منها أهلا لحياة متجددة على خشبات المسارح، حياة لا تتأطر بما رسمه الكاتب وحسب.. بل تتمازج مع رؤى إخراجية تدرك الهامش الإبداعي المرن المتاح لها في ثنايا هذه النصوص أصلا، من دون حاجة إلى إعداد.. بحيث تبدو دفتي هذا الكتاب في النهاية بوابة عبور هذه النصوص إلى أفق مسرحي لا بد سينتعش مع مثل هذه الأعمال التي تضيف بلا إدعاء، وتكشف بلا مواربة، وتتعامل مع المسرح باعتباره منبراً لقول الحقيقة والبحث عنها، خارج الحكائية المجانية التي أدمنت عليها درامات أخرى!

  • المصدر: صحيفة تشرين

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : في مرآة النقد | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “عن (مسرحيات ضاحكة) لعلاء الدين كوكش-1: متمرد على أبواب الستين!!”

  1. وععععععععععععععععععععععععععععععععععععععععع

    مو حلوووووووووووه

    كش



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر