تايلاند وماليزيا.. أوراق وانطباعات الرحلة (1) كل شيء يجري بصمت وهدوء وابتسامة لطيفة!
كتبهاعلاء الدين كوكش ، في 30 تشرين الثاني 2006 الساعة: 07:10 ص
بقلم: علاء الدين كوكش

بعد عودتي من رحلتي السياحية والاستجمامية أرسلت رسالة لصديقي محمد منصور، وهو الآن في السعودية، أخبره فيها بأنني عدت من الرحلة وكانت ممتعة، وقد اطلعت على تعليقات الزائرين لمدونتي في "مكتوب بلوغ"،وقد أنعشتني هذه التعليقات سيما وأن بعضها كان يتسم بالحميمية التي كنت افتقدها وتحدثت عنها في تداعيات قارئ عتيق ، فأجابني محمد برسالة: أكتب لنا عن رحلتك لنشرها في" مكتوب"… وها أنا أمسك بالقلم وأبدأ الكتابة…
بداية
في أول العام 2004 اتصل بي الشاعر الكبير محمد الماغوط وطلب مني أن أزوره في البيت ، وكانت نتيجة الزيارة البدء في التحضير لمشروع مسلسل"حكايا الليل والنهار" وانشغلت طيلة العام بمتابعة المشروع …. وفي عام 2005 بدأت بتصوير المسلسل وكان عبارة عن"20"حكاية مستقلة وانتهيت من تصويره في بداية عام 2006 وللأسف توفي الماغوط قبل أن يذاع المسلسل.
بعد انتهائي من العمليات الفنية للمسلسل اتصل بي الزميل بسام الملا طالبا مني التعاون في إخراج مسلسل "باب الحارة " وقد انشغلت بالمسلسل مباشرة … وفي بعض الأشهر كنت أقوم بالتصوير كاملا ولمدة 14 ساعة يوميا وذلك بسبب سفر الزميل بسام للقيام بفحوصات ومعالجات طبية …….. وحين انتهيت من التصوير كنت أحس بالحاجة إلى إجازة حقيقية بعد مرور ثلاثة أعوام تقريبا في عمل مستمر.
لجأت إلى صحف الإعلانات واتخذت قراري بالسفر برحلة سياحية إلى تايلاند-ماليزيا وقد تحمس للسفر معي صديقي مدير التصوير والإضاءة "سمير سمارة" . دفعت للمكتب السياحي (1400) دولار لقاء الرحلة ولمدة 15 يوما تتضمن السفر من وإلى دمشق مع الإقامة في الفنادق ووجبة الإفطار وتكاليف بعض الجولات السياحية…. كنت تواقا إلى الرحلة وإلى تغيير الجو من حولي ، والسفر بعيدا خير دواء لذلك……….
-1-
اليوم الأول- الاثنين 23 تشرين الأول: دمشق– سماء الله الواسعة
صباحا في مطار دمشق كان التقاء المجموعة السياحية المسافرة في الرحلة وكان العدد "34" شخصا بين رجال ونساء تجمعن من مختلف محافظات دمشق وبينهم عائلة من لبنان…… دفعنا رسم الخروج"1700" ليرة سورية، [وهو رسم يدفعه أي مواطن سوري يخرج من مطار دمشق، لأية منطقة في العالم ومهما كانت دوافع السفر!] وانطلقنا على طائرة الاتحاد (الناقل الوطني الرسمي لدولة الإمارات) ظهرا…. وصلنا مطار أبو ظبي وتوقفنا هناك عدة ساعات ثم استقلينا طائرة أخرى للاتحاد باتجاه بانكوك ، وهنا أعترف بحسن ضيافة طيران الاتحاد ومواعيده الدقيقة. استغرق الطيران من أبو ظبي إلى بانكوك عاصمة تايلاند حوالي ست ساعات مر الليل علينا في الطائرة وشاهدنا شروق الشمس قبل أن نحط في مطار بانكوك. كان يرافقنا في الرحلة دليل من سوريا واستقبلتنا في المطار دليلة من تايلاند.
-2-
اليوم الثاني- الثلاثاء24 تشرين الأول: بانكوك
كان المطار فخما وكبيرا جدا…. مساحات شاسعة وكلها من الزجاج والمعدن دون أي قطعة من الإسمنت، كان البناء مشابها إلى حد كبير مكتبة جورج بومبيدو في باريس من حيث الأسلوب الحداثي في المعمار ولكنه مطعم بلمسات تايلاندية منها تمثالان ضخمان وسط المطار من التراث التايلاندي… كان المطار مليئا بالمغادرين والقادمين ولكن المدهش أنك لا تسمع ضجيجا فكل الأمور تجري بصمت وهدوء وسنكتشف لاحقا أن هذا من طبيعة الشعب التايلاندي…. فأينما ذهبت في بانكوك سواء في المطاعم أو المحلات الكبيرة أو الصغيرة فهناك الهدوء والحديث بصوت منخفض وطبقة ناعمة مصحوبة بابتسامة لطيفة… من النادر أن تسمع صوت بوق سيارة رغم امتلاء الشوارع والجسور المتعددة بها.
أنهينا معاملاتنا بسرعة وتوجهنا إلى فندق (سويس هوتيل كونكورد) في قلب بانكوك، قالت لنا الدليلة إن عدد سكان تايلاند 36 مليون نسمة يعيش 14 منهم في بانكوك، ولذلك هي مدينة واسعة ومترامية الأطراف….
كان الفندق الذي نزلنا فيه من فئة الخمس نجوم ولكن على ما يظهر أن النجوم التايلاندية تختلف عن النجوم العربية فهي تزيد عنها إلى حد كبير…. وأيضا هذه الزيادة تحصل في التوقيت إذ يزيدون خمس ساعات عن توقيت دمشق وتمتد هذه الزيادة إلى عملتهم، وحدة العملة عندهم "بات" وهي تساوي ما يقرب الليرة ونصف (الدولار يساوي36 بات تقريبا) ولكن البات لازال يستخدم عندهم مع قطعه الصغيرة في حين أن قطعة الليرة عندنا وقطعة الليرتان قد اختفت لأنها لم تعد صالحة للاستخدام….. أفضل أن أعود إلى الرحلة حتى لا يقولوا إنني بدأت أتحدث في الممنوعات… رغم أن المقارنة قد تفرض نفسها لاحقا!
-3-
وضعنا حقائبنا في الغرف- 10 نجوم عربية- ويا دوب غسلنا وأخرجنا بعض أغراضنا حينما أدركنا الوقت للتجمع أمام الفندق والانطلاق في جولة في مدينة بانكوك وفي المدينة الصينية بداخلها… زرنا أشهر المعابد ثم المركز الفخم لصياغة المجوهرات والتي يقدم فيها القهوة والشراب مجانا ودون سقف….. من عادتهم في الأماكن السياحية أن يستقبلك المصورون ويلتقطون لك صورة سواء طلبت ذلك أم لا، وحين تنهي زيارتك تفاجأ بالمصور وهو يقدم لك صورتك وقد طبعت بداخل صحن خزفي مع اسم المكان وتاريخ الزيارة وثمنها "120" بات وأنت حر في أن تأخذها أو ترفضها دون زعل أو غضب وترافقك الابتسامة دائما إن اشتريت أم لا…. وللعلم أنا لا أستطيع مقاومة الابتسامة مهما كان مصدرها….. ولذلك كنت أشتري الصحون دائما، دون تفكير في كيفية حملها بعد ذلك…. عدنا إلى الفندق بعدها للراحة والنوم….. ومضى اليوم الأول في بانكوك والثاني في الرحلة….. نمنا متعبين ولكنه التعب اللذيذ.
-4-
اليوم الثالث- الأربعاء 25تشرين الأول: بانكوك
أفقنا في الخامسة والنصف صباحا وأفطرنا إفطارا دسما في مطعم الفندق وللعلم الإفطار غني ومتنوع وفيه مأكولات على الطريقة الغربية وعلى الطريقة التايلاندية …..
غادرنا الفندق في السابعة والنصف إلى عالم سفاري وهي محمية طبيعية لكل الحيوانات التي يمكن أن توجد في غابة برية….. وقد قمنا بالجولة فيها داخل الباصات مع توقف في بعض الزوايا لمشاهدة قطعان النمور أو الأسود وهي تتناول طعامها من قبل سيارة محصنة بالشبك الحديد وفيها رجل يلبس قفازات جلدية سميكة وحوله كتل من لحم البقر يناوله للقطعان التي تحيط بالسيارة وبعضها يجلس فوق السقف الحديدي المشبك …..
ما نراه في الأفلام تراه الآن أمامك على الطبيعة… تستغرق الجولة ما يقرب من الساعة ثم يخرج الباص من باب حديدي أول يتلوه باب حديدي ثان احتياطا فيما لو تسلل مع السيارة أحد الحيوانات المفترسة…. وتخرج السيارات واحدة واحدة للأمان…… تذكرت أفلام طرزان وكم ألهبت مخيلتنا بالإضافة إلى الحكايات الشعبية التي كنا نسمعها والتي يختلط فيها عالم الحيوان بعالم الإنسان حتى أنه يسهل التنقل بينهما….. جميل هذا الخيال الذي يؤنسن الحيوان ولكن المرعب في الواقع عندما يتوحش الإنسان …أذكر أنني قرأت مرة: ليس هناك في الطبيعة من هو أقسى من الإنسان عندما يتوحش ولا يستطيع أن يجاريه في ذلك أي حيوان مهما كان مفترسا …..الحيوان يقتل لحاجته عندما يجوع أو ليدافع عن نفسه…. ولكن الإنسان يقتل دونما حاجة ، ويقتل أحيانا وهو يتلذذ فيما يفعله…والمرعب في عصرنا الآن أنه أصبح يقتل دون أن يرى ضحاياه ، فهو يعرفهم كأرقام فقط…..
بعد خروجنا من المحمية حضرنا عرضا مائيا لحيوانات الفقمة اللطيفة مع مدربيها ثم عرضا لبلدة رعاة بقر أميركيون…. وكان العرض ساخرا تفاعل معه الجمهور… بطله الرئيسي الرصاص الذي يتطاير في كل مكان بالإضافة إلى العنف الذي يتمتع به الرجال والنساء على حد سواء…..
بعدها حضرنا عرضا مائيا آخر للدلافين مع مدربيها… تمتعك هذه العروض وتذهلك فالألعاب التي يقوم بها الدلفين تدل على مستوى متقدم من الذكاء يعجز الإنسان عن القيام بها……
هذه العروض التي حضرناها تجري كلها في الهواء الطلق ويجلس الجمهور على مدرجات كبيرة تحيط العروض بنصف دائرة وهي ممتلئة لآخرها و جمهورها من مختلف الجنسيات، ترى فيها الهندي والصيني والياباني والأوروبي والأميركي بالإضافة إلى التايلاندي ،ليس هناك من فصل بينهم، الجميع كبشر يتشاركون في المتعة التي تقدمها العروض.. .يضحكون سوية، ويصرخون بالإعجاب سوية، ويصفقون سوية… بل إنهم أحيانا يتشاركون بالرقص والتصفيق ضمن المدرجات بانتظار العروض…
أذكر في أحدها أن مجموعة هندية كبيرة كانت تحضر بعض العروض حين نقلت المكبرات بعض الأغاني الهندية ، فقام بعضهم للرقص ثم شاركهم آخرون وسرت العدوى للجميع …. ومن لم يشارك بالرقص كان يشارك بالتصفيق …. كانت لحظة بهجة صادقة وفرح حقيقي توحد فيه الجميع على اختلاف جنسياتهم…. وهذا يؤكد أن الإنسان واحد عندما تختفي المصلحة والاستغلال.
حضرنا بعدها عرضا للحروب القادمة من عصر الفضاء ولكنه لم يكن بنفس المستوى السابق للعروض حتى أننا انسحبنا من منتصفه وقضينا بعض الأوقات ونحن نتمشى في ممرات الحدائق المحيطة والمزودة بأقفاص كبيرة لأنواع مختلفة من الطيور والعصافير…في هذه الممرات الكثير من الأكشاك لبيع المياه والعصير والمثلجات بالإضافة إلى بيع الساندويتش ، كما وهناك العديد من المحلات لبيع الهدايا التذكارية
ويقف ضمن الممرات بعض الرجال المدربون مع فهود صغيرة يرضعونها من رضاعات حليب ، ويتيحون الفرصة لمن يرغب في أخذ صور معها لقاء (40) بات، وقد قمت بهذه المغامرة الصغيرة… دفعت الرسم ووضع الرجل الفهد في حضني وأعطاني الرضاعة كي أرضعه إياها، وقد رضعها كلها خلال أخذ الصورة وكنت خائفا في أعماقي ولكني مضطر للابتسام من أجل الصورة….. تصور مشاعرك وأنت تضع حيوانا مفترسا في حضنك يلتهي عنك بالرضاعة وحين تنتهي الرضاعة يسارع الرجل لإعطائك رضاعة بديلة…. حين أرى صورتي الآن مع الفهد الصغير أتذكر قول الشاعر الألماني ريلكة القائل إن ما نطلق عليه كلمة الجمال هو مجرد لمحة أولى عن الخوف والرعب.
انتهت العروض في السادسة مساء… وانطلقت عشرات الباصات عائدة لتتوزع في فنادق بانكوك وبيوتها، وقد وصلنا الفندق حوالي التاسعة لننام باكرا بعد أن حل علينا التعب اللذيذ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رحلاتـــي | السمات:رحلاتـــي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 30th, 2006 at 30 نوفمبر 2006 6:06 م
الله يسعدك يا أستاذ علاء…
وصف رائع، وأسلوب مشوق، وتفاصيل جعلتنا نبحر معك
في الرحلة وننتظر المزيد
ديسمبر 1st, 2006 at 1 ديسمبر 2006 3:54 ص
رائع جدا رحلة ممتعة للغاية
لكن في انتظار المزيد
ديسمبر 1st, 2006 at 1 ديسمبر 2006 11:55 م
الأستاذ علاء الدين كوكش
أتابع مدونتك منذ أشهر، أتابع بصمت في أغلب الأحيان، اليوم أقرأ انطباعات الرحلة وأقول الله الله الله…
لماذا؟
في البداية -وقت الإعلان عن بدء كتابة الانطباعات- تساءلت ماذا سيكتب الأستاذ علاء؟ ذهبنا وعدنا ورأينا وتصورنا؟
لكني قلت “أصبري يا بنت” وتذكرت قول ماركييز “الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه”. وهذا بالضبط ما حدث، تحمست وصبّرت نفسي واعتمدت على “كيف سيروي الأستاذ علاء تفاصيل الرحلة” وها هي الدهشة الجميلة تصيبني وأنا أقرأ كيف تروي تفاصيل رحلتك.
أقرأ وأدهش وأشكرك جزيل الشكر
دمتَ بودٍ عظيم
ديسمبر 3rd, 2006 at 3 ديسمبر 2006 3:30 ص
الانهيار القريب للاسلاموية
موضوع للنقاش على مدونة رفيق الدرب
شاركونا اراءكم
زيارتكم شرف لنا..وتعليقاتكم تدعمنا
رفيق الدرب ..المدونة التي تختلفون فيها و لا تختلفون معها
ديسمبر 6th, 2006 at 6 ديسمبر 2006 8:53 ص
دخيل ربك يا أستاذ علاء… كثير عجبتي قصة رسم الخروج اللي حكيت عنها، ما بتصدق قديش حارقة قلبي… بغض النظر إذا كان المبلغ محرز ولا لأ… يعني ليش السوري مكتوب عليه ينضرب على قامته ويدفع ضريبة، على كل شي بدو يساوي؟! لازم يخلونا نغص باللقمة ونتشردق بشربة المي؟!
ويعطيك العافية على المقال الحلو… وانا عم بستنى الحلقات الجاية… لا تقطعنا أستاذ… بذمتي وقت فوت موقعك بتروحن… بحس في شي من الشام حلو وأصيل ومربى… لساته عايش، ولساته عرفان يفكر ويحكي ويكتب… لك والله جننونا!
مغترب سوري في الإمارات